الجمعة، 29 يوليو 2016

لماذا آمن الناس بالسحر؟

نخطئ إذا ظننا أن الإيمان بالسحر قد نبت في ذهن الإنسان نتيجة للصدفة أو الارتجال، ففي عالم الشعوب البدائية لا وجود للصدفة. ويكفي أن هذه الظواهر سايرته آلافا من السنين وما تزال تعيش معه، وما نزال نلاحظ هذا حتى في حياتنا المعاصرة، وإن دل على شيء فإنما يدل على أنها استمدت أصولها من إملاء قلوب السلف استجابة لحاجتهم الاضطرارية إلى المعرفة، أو تخيل المعرفة، ليتغلبوا على القلق الأزلي الذي كان ينتابهم في خضم الكون ومخاطره. وقد اختلفت طبيعة تلك الاستجابة باختلاف صور العالم التي صورتها لهم معارفهم وأوهامهم في مختلف البيئات والعصور.

ولعل الإنسان أول ما وعى لم يميز بين نفسه ومحيطه، فخيل إليه أنه مجرد عضو من جسم عالمي فيه كل محتويات الكون، وهو كالجسم الآدمي متضامن الأعضاء يعين بعضها بعضا، حتى إنه يمكن، بحكم تضامنه الكامل مع العالم، تحريكه وفق إرادته إذا ما عرف سر تلك الروابط. تلك الفكرة وهي أن الإنسان يملك سلطانا على القوى الخارجية يعرف كيف يديرها على نحو ما هي أساس السحر. 

ولقد كانت مرحلته التالية في تطور تفكيره وفي محاولته تفسير مظاهر الكون، أن عزا إلى الكائنات روحا خاصة وأسند إليها إرادة ذاتية وتصور أنها دائمة التدخل في حياته اليومية، ثم ألّهها كلها كما ألّه كل ما كان يجهله ويخشاه، وهذا ما يسمى الروحانية (animism).

ويحصر بول غليونجي مقومات السحر في ثلاثة أمور:

أولا: الاعتقاد بوجود قوة خفية (لا شخصية ولا مادية) تنظم العالم، وأن الساحر يمكن أن يأسرها في جسمه، ثم يحلها بدوره في جسم غيره، وأن يسخرها بصفة عامة عن طريق وسائل معينة. 

ثانيا: المنطق الكاذب الذي يستقرئ القياس السطحي، المثل من المثل، والذي يرى روابط بين الشيء وشبيهه، وبين الشيء واسمه، كأن يعتقد أن أي عمل أتى بنتيجة في الماضي سوف يأتي بمثلها في المستقبل، وأن اسم الإنسان يحدد مصيره، وأن الدواء إذا شابه عضوا فإنه يشفي آلام هذا العضو، وأن خواص الأرقام والأشكال الهندسية تكسبها صفات ملائمة. ومن أمثلة ذلك التفكير الاعتقاد بأن صب الماء على الأرض يسقط المطر. وأن إلحاق الأذى بأي نموذج يسبب مثله في الأصل، وأن يوما من الأسبوع وقعت فيه كارثة يظل شؤما في المستقبل، .. الخ.

وما زال أكثرنا لا يتحدث عن مرض إلا مسبوقا بعبارة "بعيد عنك" أو "عدوك" أو "يكفينا شره"، بل ويتحاشى التلفظ بأسماء الأمراض القاتلة، ويكني عنها بكنى مختلفة، فمثلا يكني السرطان بـ"المرض الملعون" أو "المرض الخبيث". ولا يقدم على عمل ما إلا وقد تضرع قبله بالدعوات. وهذا لا يعني أن الابتهال إلى الله ضرب من ضروب السحر، ولكن الباعث النفسي الذي يملي هذا التضرع إلى الانسان هو الشعور القهري نفسه الذي كان يوعز بتلاوة التعاويذ في العصور النائية، إذ أن الإيمان بالأصنام وبالأرواح كان في ذلك الوقت في مثل إيماننا اليوم بالله ورسله، فضلا عن أن حاجة الإنسان إلى سند علوي هي من الظواهر الباقية. 

ثالثا: عدم إدراك الإنسان لفكرة الموت ردحا طويلا من الزمن لدى كثير من الناس، وعدم تمييزه بين الموت والحياة، وتخيله أن الموت نوم طويل يعيش الميت في أثنائه عيشة الأحياء. وأنه يستقبل منهم السلام عليه ويرد عليهم. وأنه يستيقظ أحيانا فيزور الأحياء طيفا في أثناء نومهم، وشبحا أو رؤيا في أثناء اليقظة، ويطالبهم بحقوقه أو أملاكه أو بالصدقة عنه. ومن هنا نشأ الإيمان بالأحلام وبالأشباح، وتقديم الأطعمة والملابس للمتوفين. وعمليات السحر لإعادة الحياة إلى ما كان يحيط بهم في كهوفهم، لتهيئة أسباب الراحة والترف لهم، بغية استرضائهم والحيد بهم عن فكرة العودة. بل يذهب بعضهم إلى القول بأن ركام القبور الذي تحول فيما بعد إلى "الشاهد" كان الغرض من وضعه على القبور في أول الأمر زيادة الثقل على الميت للحيلولة بينه وبين مغادرة قبره.

كانت هذه بعض المقومات النفسية التي جعلت الناس تؤمن بالسحر في الماضي، فلماذا لا يزال الناس يؤمنون به؟! 

لا شك أن أصحاب العقول المستنيرة ينكرون السحر بالكيفية التي يعتقدها عامة الناس، بل ويعدونه من الخرافات التي اخترعها ضعاف العقول العاجزون عن الكسب المشروع. إلا أن كثيرا من الناس في المجتمعات المختلفة لا يزالون يعتقدون في الأعمال السحرية، في حقيقتها أولا ثم في حقيقة تأثيرها في إحداث الأثر الذي تُعمل لأجله. وهنا يجب أن أقول أنه من الواضح أن مستوى الأفراد التحصيلي أكاديميا لا يؤثر على صاحبه بقدر تأثير العقل المجموعي لأفراد المجتمع الذي يعيش فيه، فكم من أولئك الذين يعتقدون في السحر يحملون شهادات جامعية؟! وكم منهم من زمرة المثقفين المؤثرين في مجتمعاتهم؟

إن ما يجب الإيمان به هو أن السحر مجرد وَهْم، يحدث أثره بواسطة الإيحاء، وذلك عندما ينجح الساحر في التأثير على المجال البصري لأصحاب العقول الضعيفة والنفوس الهشة، ممن لديهم الاستعداد للتصديق به. وكما هو معلوم فإن الرغبة أحد أهم أسباب الوهم، بالإضافة إلى الخوف. وهذا يعطينا فكرة عن الدور الذي يقوم به الساحر حيث يزرع الرهبة في قلوب المشاهدين له، ويسيطر عليهم بالإيحاء وبالترهيب، وبواسطتهما أيضا يستطيع الساحر التأثير على مشاعرهم.

وأما عندما نصف حدثا ما بأنه سحر، فهذا يعني أن العقل (منطقيا) لم يستطع أن يفهم كيف حدث! تماما كما في ألعاب الخفة والخدع البصرية. الجدير بالذكر أن هناك أبحاثا علمية أجريت على مشاهدي الخدع البصرية (أي الحيل السحرية) لمعرفة أي جزء من الدماغ يكون نشطا خلال الاستجابة الادراكية للخدع البصرية، ومنها ما توصل إلى حدوث زيادة في نشاط القشرة الحزامية الأمامية عند الأشخاص الذين شاهدوا الخدع البصرية مقارنة بأولئك الذين شاهدوا مشاهد معقولة منطقيا. 

وفي الختام نذكر قصة حدثت لرجل يدعى "كينج" من أقزام البامبوطي الذين يعيشون في الكونجو، هؤلاء الأقزام يعيشون في غابات كثيفة إلى حد لا يرى المرء معه ما هو أبعد من عدة أمتار في كل اتجاه. فقد قام كولن تورنبول وهو عالم انثروبولوجيا باصطحاب "كينج" في رحلة، يحكي تورنبول بعض تفاصيلها قائلا:

بينما كنا نعود إلى السيارة، نظر "كينج" عبر السهول إلى حيث كان قطيع من حوالي مئة جاموس يرعى على بعد أميال. فسألني أي نوع من الحشرات هذه، فقلت له إنها جواميس، وحجمها ضعف حجم جواميس الغابة المعروفة لديه. فضحك بصوت عال وقال لي لا تحكي مثل هذه القصص الغبية، وسألني مرة أخرى أي نوع من الحشرات هذه. ثم بدأ يتحدث إلى نفسه وظل على هذه الحال حتى اقتربت السيارة من القطيع، وقد شاهدهم يزدادون ويكبرون في الحجم، وعلى الرغم من أنه كان شجاعا، إلا أنه انتقل وجلس على مقربة مني، وتمتم قائلا: "إنه سحر". وآخر الأمر عندما أدرك "كينج" أنها جواميس حقيقية، ذهب الخوف عنه، ولكن الذي مازال يحيره هو السبب في أنها كانت صغيرة جدا، وعما إذا كانت صغيرة حقا ونمت فجأة لتصبح كبيرة، أو ما إذا كان نوعا من الخداع.

انتهت القصة ويبقى سؤالٌ مفاده: كم يا ترى عدد أولئك الذين يسكنون البيوت من أمثال "كينج"؟!!

*********

المراجع
1. بول غليونجي، طب وسحر، دار القلم ومكتبة النهضة للنشر، القاهرة، مصر

الثلاثاء، 26 يوليو 2016

التسمية .. من يمتلكها ؟!

"بداية الحكمة أن تدعو كل شيء باسمه"
حكمة صينية

إلى الآن ما زال التلاعب بالتسمية أو الأشياء ومسمياتها هو سيد الموقف في جهلنا بها وتخلفنا عن الركب العالمي المتقدم. ولعل أوضح ما في الأمر أنها لعبة غير واضحة المعالم ومتعددة المواضيع، كما أنها مختلفة النتائج والآثار على الأفراد والمجتمعات. يقول الفيلسوف الألماني نيتشه: تسمية الشيء هي تملكه، وهذا ما يوضحه عبد الوهاب المسيري بقوله: إن مَن لا يسمي الأشياء يفقد السيطرة على الواقع والمقدرة على التعامل معه بكفاءة، ووصف المسيري حال الإنسان العربي المعاصر بقوله: إنه فقد القدرة على تسمية الأشياء.

وهذا يعني أن الإنسان العربي المعاصر فقدَ السيطرة على واقعه وفشل في التعامل معه، وهو ما ينطق به الواقع بكل وضوح صارخ ومؤلم. ولكي لا يقع الفكر الإنساني في أوهام معرفته للحقيقة، فقد دعا فرانسيس بيكون إلى التخلص من "الأوهام" التي تحدق بالفكر الإنساني إذا أراد بلوغ المعرفة الحقيقية، وهذي الأوهام هي: القبيلة، والكهف، والميدان العام (السوق) والمسرح. واعتبر بيكون أن أوهام الميدان العام أو السوق حيث يلتقي الناس ويتحادثون ويدعم بعضهم أوهام بعض، هي أكثر الأوهام ازعاجا لأنها تلحق الأفكار بالكلمات، والتي انسربت إلى الذهن من خلال تداعيات الألفاظ والأسماء، ذلك أن الناس يظنون أن عقلهم يتحكم في الألفاظ. وذكر بيكون نوعين من الأوهام تفرضهما اللغة على الفهم؛ وهما: إما أسماء لأشياء لا وجود لها (مثال: نظرية المؤامرة*) وإما أسماء لأشياء موجودة ولكنها مختلطة وغير محددة (مثال: هيئة كبار العلماء في السعودية أو مصر) وغيرها من الأمثلة التي تحدق بالفكر العربي المعاصر.

ولكن كيف يكون للتسمية دور في تخلفنا عن الركب العالمي المتقدم؟ ومن الذي يمتلك التسمية؟ وهل التسمية سلطة أم سلاح في يد السلطة؟ وإن كانت كذلك، فكيف تكون التسمية سلاحا في يد السلطة؟

بما أن المثال يكشف ألغاز المقال فسأذكر مثالين شائعين عن التلاعب بالتسمية. أولهما ما قاله المفسرون عندما فسروا الآية التي تضمنت: "إنما يخشى الله من عباده العلماء"، حيث زعموا أن المقصود بالعلماء هنا شيوخ الدين بينما إذا استعرضنا الآية بدون اجتزاء فسنجد أنها تتحدث عن علماء الأحياء، والأنثروبولوجيا، والجيولوجيا، والمياه، والنبات والحيوان وغيرهم. ولعل غياب العلماء المتخصصين في العلوم الطبيعية والإنسانية (فيزياء وكيمياء وأحياء، علم الاجتماع، ...الخ)، ساهم في استبدال مسمى "علماء الدين" بـ"شيوخ الدين". إن أكثر الناس، وبطريقة غير واعية، وتحت تأثير الاعتياد ومسايرة الأغلبية وسلطة الاسم "علماء" وغيرها من الأسباب، أقول إن هذه الأكثرية لا تتردد في عمل مقارنة بين قول شيخ الدين الذي ينقل من كتب الأولين وبين ما توصل إليه علماء الفيزياء الكونية! ولعل ذلك يتضح في مسائل علمية مثل: كروية الأرض ودورانها حول محورها وحول الشمس.

ومثال آخر وليكن الحديث (إن صح) القائل: "العلماء ورثة الأنبياء"، فإن النبي عليه السلام أخبرنا عن طريق الوحي بغيبيات مثل خلق الكون وبداية الجنس البشري وقصص الأولين، وهذا ما يكشفه لنا علماء الآثار والأحياء والطب والفيزياء الكونية وبقية المنتمين لزمرة العلماء. وليس لشيوخ الدين (الوعاظ) في هذه الاكتشافات من شيء إلا الإسراع في تكذيبها والسخرية منها، ولكن ما أن يجدوا أثرا في كتب التراث يوافق ما توصل إليه العلماء (ورثة الأنبياء) في مختبراتهم أو ميادين بحثهم، سارع أولئك الشيوخ إلى زعم أن اكتشاف هذا العالم أو تلك هو من الاعجاز العلمي في السنة النبوية!

وما هذا إلا مهزلة تكشف لنا العقم الفكري الذي نعيشه، فهل هناك تخلف وإعاقة فكرية أكبر مما نعيشه اليوم؟

ومن ناحية أخرى فإن اطلاق مسمى "علماء" قد يوهمنا كأفراد ومجتمعات بأننا نمتلك في الواقع علماء "Scientists" وذلك من خلال تشكل صورة خيالية للفظ "علماء" في الذهن دون الوقوف على دلالة اللفظ في الواقع، بل واستبدالها بالدلالة الخيالية وهذا ما يسمى بالخيال أو المخيال الاجتماعي. وعندما نسمي أحدهم "عالما" فنحن لم نعطه التسمية فقط، بل شكلا من الوجود الاجتماعي أيضا.

إن التسمية ليست فعلا بريئا إنما فعل سلطوي، فالسلطة تستخدم التسمية لتعزيز الأيديولوجية التي تتبناها، ولخدمة نفوذها واستدامته وذلك من خلال تغذية المخيال الاجتماعي. يقول عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو: لا تحكم لغة السلطة وتأمر إلا بمساعدة من تحكمهم، أي بفضل مساهمة الآليات الاجتماعية القادرة على تحقيق ذلك التواطؤ الذي يقوم على الجهالة، والذي هو مصدر كل سلطة.

ويؤكد رولان بارط بأن السلطة جرثومة عالقة بجهاز يخترق المجتمع ويرتبط بتاريخ البشرية في مجموعه، وليس بالتاريخ السياسي وحده. وأن هذا الشيء الذي ترتسم فيه السلطة ومنذ الأزل هو اللغة أو بتعبير أدق اللسان. ويضيف بارط بقوله: إن اللغة ما إن ينطق بها، حتى وإن ظلت مجرد همهمة، فهي تصبح في خدمة سلطة بعينها. إذ لا بد وأن ترتسم فيها خانتان: نفوذ القول الجازم، وتبعية التكرار والاجترار. في اللغة إذن خضوع وسلطة يمتزجان بلا هوادة.

خلاصة القول أن الأسماء التي نلصقها بمسميات ما، ومن خلال صورة ذهنية غير واعية، تعمل على تضليلنا واستعبادنا واستبعادنا من خلال سلطة اللغة والتي تستمد سلطتها من وجودها الاجتماعي. إن اللغة سلطة رمزية تمارس نفسها على هيئة القدرة التي تجعلنا نرى أو نفهم أو نعرف أو نؤمن، ذلك أن السلطة الرمزية هي سلطة تعسفية في الأصل، ولكن الناس يعترفون بشرعيتها لأنهم يجهلون أنها تعسفية. إن هذه السلطة الرمزية تتحد بفضل علاقة معينة تربط من يمارس السلطة بمن يخضع لها. وكما أن اللغة تؤدي إلى الهيمنة والسيطرة، فهي كذلك أداة عنف رمزي تؤثر نفسيا على الجماهير وتجعلهم يخضعون لقرارات فئة معينة تميل إلى احتكار امتيازاتها.

*******

* لا نؤمن بنظرية مؤامرة أزلية، ولكن هذا لا ينفي وجود مؤامرة معينة على سبيل المثال للإطاحة بنظام الحكم في دولة عربية ما.
- نظرية المؤامرة بحسب ويكيبيديا تعني: محاولة لشرح السبب النهائي لحدث أو سلسلة من الأحداث (السياسية والاجتماعية أو أحداث تاريخية) على أنها أسرار، وغالباً ما يُحال الأمر إلى عصبة متآمرة بشكل منظم هي التي تقف وراء الأحداث، وكثير من منظمي نظريات المؤامرة يدعون أن الأحداث الكبرى في التاريخ قد هيمن عليها المتآمرون وأداروا الأحداث السياسية من وراء الكواليس.

المراجع
1. بيير بورديو، الرمز والسلطة، ت. عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثالثة، 2007م.
2. رولان بارط، درس السيميولوجيا، ت. ع. بنعبد العالي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثالثة، 1993م.
3. فرانسيس بيكون، الأورجانون الجديد، إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة، ت. عادل مصطفى، دار رؤية، القاهرة، مصر، طبعة 2013

الأربعاء، 22 يونيو 2016

‏إني لأعجب .. إدريس جماع

والخائضين الحرب من  **  أجل المطامع والدمـاء
ليـس الـخـراب بـطـولة  **  إن البطـولة في البنـاء


- الشاعر السوداني إدريس محمد جمّاع (19221980)

وفي ديوانه "لحظات باقية" يقول: 

1. إنـي لأعجـب 

عجبـاً أتحتمـل الـحيــاة برغـم أشتـات الصــور
ورحابها تبـدي الجمـال جمـال نفـس أو بصــر
والـفكــر والإبـداع والفـن الـخصيـب المبتـكــر
والحـب والأحـلام نشــوى والأغانـي والسمــر
وبها النضارة والنـدى والنهر يهدر والـزهـــر
مـن لـيس فـي جـنـبـيـه إنسـانيــة بيـن الـبشـــر
حقـد على الإنسـان في جنبيـه عشـش وانتشــر
ويعيــش محسـوبـاً عـليـه إنهــا إحـدى الـكبــر
ولـقــد يـتيـه بعيـشــه بيـن الـمزالـق والـحفـــر 
نبـع الـحيـاة يفيض سمحـا بالـشعـور وبالفكــر
وعلى شـواطئـه الـطبيعـة وهي فتنة من نظـر 
لا يتـركـون لـه الـصفـاء إذا تسلسـل وانـحـدر 
هـم يعـكسـون نفــوسهــم فيـه وهــم فيـه كــدر 
إن عـاش بعـض النـاس يحلـم بالسعـادة للبشـر
يحيـا لـحـل الـنـاس يشمـلهــم بعـاطـفــة وبـــر
هــوت الـنفــوس بهـم لـقـاع رهيـب الـمنحــدر
كرهوا بني الإنسان بل كرهوا الحياة بغير شـر
إن الحياة هي الشعـور فكيـف يحيـا مـن غـــدر
من لـيس يسعـد بالـضميـر ففـي جوانبـه سقـــر

***

2. رسالـة الحيـاة 

إن الـذي بممـاتــه  = هجر الحياة وسحرها 

وحياتـه بالحـب قـد = كانت تمازج غيرهــا 

يولـي المحبـة قومـه = منحوه أو بخلوا بهـا 

وبلاده قد عاش حتى = مات ينشـد خيرهـا 

وينشب نـار جهادهـا = دهرا ويرفع قدرها 

يكـفيــه نبـــلا أنــه  = أدى الرسالة وانتهى

***

3. زائر البستان 

وكــم عــابـر روضــه لم يفـد    من المكث فيهــا ولـو ظلهــا

ولــو خــايلتــه رؤى شــاعــر     لما غادر الومض في طلها

كـــذلـك نـحـن أمـــام الـحيـــا     ة وإدراكــنــا لــمعــان لهــا


وعمـق الشعــور بأسـرارهــا     وبعــد التـفــاوت في نهلهــا

***


ومن أبياته المسطورة في قصائد ديوانه: 


ما حياةُ المرء دونَ الآخرين ** أو حياة العقل من دونِ سؤالِ ؟

*

من أودع الأنفس سر الحياة  ** وقال عيشي وأحبي الجمال ؟

*

وقـال فـي حلقتـه الـفيـلسـوف **  إن الجمال الحق في المعرفهْ
فهي طريق الخير أمٌّ عطوف ** إذا أردنـــا قـولــة مـنـصـفـــهْ

*

بلبـل يعشق الخميـل بهيجــا   أنا لا بومة تناجي الخـرابـا
كلف بالحيـاة لا لي وحــدي   بل لكيـما تعم حتى اليبــابـا
وإذا جفت الحيـاة من الألحا   ن ليسـت تهــزني إعجـابـا

*

خالد الشعر ما توثق بالنفـ     ـس ومـد الـجــذور فـي الأعمــاق
وهــو ابــن الحـيــاة والحـ     ـس لم يمنح خلودا لصنعة وطباق

*

وخير ما ورّث الآباء في وطن ** بالأرض حرية الأوطان للعقب

*** 



الأحد، 12 يونيو 2016

لعنة الشر الإنساني

وبدأت الحرب! ذلك حدث وقع ويقع على الرغم من تناقضه التام مع العقل ومع الطبيعة البشرية. ولقد اقترف ملايين البشر جرائم وأعمال خداع وغش وسرقة وفتن لا حصر لها، بعضهم ضد بعض .. لكنها لم تُعتبر جرائم وقت اقترافها.
- ليو تولستوي ، الحرب والسلام


إن الصراع السياسي والاجتماعي والأيديولوجي الذي يفتك بالمنطقة العربية نما في أرضٍ سمادها الجهل، وسُقّي بفكر التطرف والتعصب والقمع والانغلاق، فأثمر فيها اليأس والكراهية والعنف والقتل. وكل هذا يحصل في ظل أنظمة عربية قمعية تحكم فقط لأجل الحكم والسلطة؛ وإنْ نتج عن تشبثها بالسلطة ضياع الأرض وهلاك الإنسان. إن المتأمل في بلاد العرب اليوم لا يكاد يرى أرضا عربية إلا وهي تعاني من هذا الشر التي اقترفه ويقترفه البشر، إنها الحرب؛ الحرب التي لا تبقي ولا تذر.

ومع الإيمان الراسخ بأن ساحة الحرب لا تفرز إلا الموت أو ما يشبهه ويكثّره، يتبادر إلى الذهن سؤال مفاده: لمَ الحرب؟ أو بصيغة أخرى: من المستفيد من هذه الحرب؟

قد تبدو الإجابة على هذا السؤال صعبة التحديد
لكن! ماذا لو تغير السؤال، وقيل: من المتضرر من الحرب؟ 
سيكون الجواب هو الشعوب التي تطحنها الحرب وتشردها وتبعث فيها الموت والحزن والجوع والفقر والمرض وكل ما من شأنه أن يتسبب في هلاكها.

إن الحرب وأسبابها وتبريراتها تصدر من أصحاب السلطة. ومن المعلوم أن الحرب لا تطال أصحاب السلطة، فهل هم المستفيدون من اندلاع الحرب على حساب هلاك الشعوب؟ ثم لماذا صارت هذه الشعوب تشارك في الحرب إذا كانوا لا يجنون منها إلا الهلاك؟

لعل من أقدم أساليب المستبدين والطغاة لإلهاء الشعوب هو الزج بأفراد شعوبهم في حروب غير مبررة، ولكي يُقدموا على القتال والاقتتال بكل بسالة فما على القادة العسكريين والسياسيين إلا اقناع الشعوب بقدسية الحرب وأنها تنفيذا لأوامر الله أو حفظا للدين، أو أنهم عرضة لهجوم من قِبل العدو الذي يتربص بهم وبمقدساتهم.

إن الشعوب والتي قد تربط بين أفرادها علاقات الجوار والصداقة وحتى النسب والتبادل التجاري والثقافي، هذه الشعوب عندما تخوض حربا فيما بينها، فإن هذه الحرب لن تنتج في نفوس هذه الشعوب وذاكرتهم إلا تلك المشاعر السلبية ذات الطابع العدائي والوحشي، والمليئة بمشاعر الكراهية والانتقام. 

ولعل انخراط الأفراد في الجيش النظامي لأي دولة في هذا العصر هو الطريق الذي من خلاله يتم تجنيدهم للمشاركة في الحروب. ثم إن هؤلاء الأفراد ما إن ينضموا إلى الجيش حتى يصبحوا أدوات في أيدي القادة العسكريين، ومن هنا يبدأ تشييئ الأفراد الذين يسهل بعد ذلك تحويلهم إلى أدوات عنف وقتل.

وإذا كانت الشعوب لا تجني من الحرب إلا الويلات، فهل هناك من يبارك الحرب؟
لن يبارك الحرب إنسان يتمتع بعقل واع، ولا مثقف إنساني قرأ في كتب التاريخ والحضارات والأخلاق، ولا متدينٌ فهم كتابه المقدس!

إن الحمقى سواء أكانوا أصحاب مصلحة كرجال الاقتصاد أو السياسة أو رجال دين، أم كانوا من المثقفين الخونة كما وسمهم إدوارد سعيد، أم كانوا من عامة الناس الذين تحكمهم العاطفة لا العقل؟ كل أولئك الحمقى يمثلون الأدوات التي يستخدمها أصحاب السلطة لمباركة الحرب والتطبيل لها، وكم يمتدح الحرب ذاك الذي لا يخوضها. ألا تعس المطبلون، ألا تعسا لأبواق الحروب!

ويقابل هؤلاء المطبلين، في الضفة المضادة، أناسٌ من ممثلي الإنسانية الخيّرة التي تسعى ضد أسباب هلاكها، إنهم كارهو الحرب، الذين يدعون إلى إطفاء لهيب هذه الشر المكروهة الملعونة والمجنونة. إن الذين ينادون بتفادي الحرب يتمتعون بشجاعة لا مثيل لها؛ ذلك أن الداعي إلى إخماد الحرب يسير عكس التيار الجمعي الأعمى ويصرخ في وجه الإعلام المؤجج والمسيّر من قبل أصحاب السلطة والمال، وما أكثر الكذب الذي تنهق به وسائل الإعلام في أوقات الحروب!

إن بغض الحرب هو تمجيدٌ للحياة وللإنسان وللحضارة والأخلاق؛ كما أن الحرب هي دمار للحياة على هذا الكوكب ولكل قيمة إيجابية صنعها العقل الإنساني. ولعل من الملاحظ أن كل الدول تؤكد على أنها تسعى إلى الأمن الداخلي وإلى السلام مع الدول المجاورة لها، ومع ذلك فكل دولة تتسلح ضد جارتها، وليس أوضح على هذا مما يحصل اليوم في الشرق الأوسط. بل أفظع من ذلك، هو ما يحدث في دولنا العربية، حيث أصبح في داخل الدولة نفسها يتم تسليح الطوائف (أو الأحزاب، الجماعات) لمواجهة أبناء الوطن المنتمين لطائفة أخرى، وكأن هذه الطوائف والأحزاب اتخذت من العنف والقتل والدمار وسيلة للتفاهم مع ابن الوطن الآخر المخالف في المذهب أو الديانة.
ألا تعس المذهبيون وتعست تجارتهم!!

يقول روبرت فيسك: إن المسؤولين يريدون لمواطنيهم أن يروا الحرب وكأنهم ينظرون إلى مسرحية تحصل بين الأضداد، بين الخير والشر، "بيننا" و "بينهم"، بين النصر والهزيمة. ولكن الحرب ليست فعلا بين النصر والهزيمة، ولكن بين الموت وفرض الموت على الآخرين، إنها تمثل الإخفاق الكامل لروح الإنسانية. 

وفي الختام يقول إرنست همنغواي: لا تظن أن الحرب مهما كانت ضرورية أو كانت مبررة، ليست جريمة.

نعم .. إن الحرب جريمة الإنسان ضد الإنسان وضد الحياة، وإن الناس عندما تُكوى بنار الحرب ستلعن الحرب، وستلعن كل الذين يؤججون نعرة الطائفية والانقسام والاقتتال، فاحرص على أن لا تكون من الملعونين. ولتكن من المؤمنين بالحياة وبالاختلاف وبالتعايش وبالسلام. واجعل قاعدتك في الحياة: عامل الآخرين كما تحب أن يعاملوك، ولا تفعل بالآخرين ما لا تحب أن يفعله الآخرون بك. 
-------------------------

الاثنين، 6 يونيو 2016

محمد شحرور .. العقل الذي أضاء الفكر العربي

يسكن الفكر العربي في عتمة التخلف منذ عقود مضت، ولعل الاستبداد الذي يهيمن على المجتمعات العربية هو السبب الرئيس في استدامة هذا التخلف الحضاري على مختلف المستويات الفكرية والمعرفية والأخلاقية وكذلك على مستوى البحوث العلمية والصناعات الحديثة، ووسائل الاتصال والتكنولوجيا على مستوى الأفراد والمجتمعات العربية. ولما كانت جذور هذا التخلف والتراجع والتقهقر مستترة وعصية على الملاحظة، فقد كان لزاما على أي باحث أن يبدأ من حيث كانت للعرب بداية.

"محمد شحرور" المهندس الذي أبدع زوايا النظر في الواقع، فامتد بصره مسيرة أربعة عشر قرنا. لقد أدرك الدكتور محمد شحرور أن المرأة هي أحد الأركان الأساسية في المجتمع السوي، وأن المرأة خلال العصور الإسلامية السابقة تعرضت للظلم والاضطهاد والاهانة من خلال ثقافة ذكورية جعلت منها متاعا للذكر وخادمة له، ووصفها بأنها ناقصة، كما جعلت هذه الثقافة الموروثة أكثر أهل جهنم من النساء.

وما كان من الدكتور شحرور إلا أن شمر عن ساعديه وأطلق في عام 2000م كتابه "نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي - فقه المرأة" تفصيلا لما كان قد أشار إليه في كتابه الأول "الكتاب والقرآن- قراءة معاصرة" عام 1990م، في الباب الثالث: أم الكتاب والسنة والفقه، الفصل الثالث: الفقه الإسلامي. لقد بين في هذا الكتاب "فقه المرأة" معتمدا على المصدر الإلهي "التنزيل الحكيم" صورة المرأة كما أراد لها ربها، بأنها مساوية للرجل ندا لند في التكليف والجزاء.

حيث بدأ كتابه فقه المرأة متسائلا: أين مصداقية القول بأن الرسالة المحمدية هي الرسالة الخاتم للإسلام، وأنها لكل أهل الأرض قاطبة ولكل زمان ومكان؟!

واستهل الفصل الأول من الكتاب بوضع يده على أحد مفاتيح مشكلة فهم الوجود والتطور، وهي الكينونة والسيرورة والصيرورة. حيث كانت هذه الأفعال الثلاثة ومازالت محور الفلسفة، والعمود الفقري لكل الأبحاث الإلهية والطبيعية والإنسانية، باعتبار أن الكينونة هي بدء الوجود، والسيرورة هي حركة سير الزمن، والصيرورة هي ما انتهت إليه الكينونة الأولى بعد مرورها بمرحلة السيرورة.

إن محوري الكينونة والسيرورة كشكل مستوٍ يمثلان الوجود بمركباته، أما محور الصيرورة فيمثل التطور والتحول في هذا الوجود، وهذا ما نراه واضحاً جلياً منذ لحظة الانفجار الكوني الأول، حيث ظهرت الفوتونات فقط، ثم تحول قسم منها إلى هيدروجين، ثم إلى هيليوم، ثم إلى عناصر رئيسية، تجمعت لتنتج مركبات غير عضوية، ثم مركبات عضوية، ثم كائنات حية بأبسط صورها (وحيدة الخلية)، إلى أن ظهر البشر على الأرض، ثم الإنسان، وما زال هذا الكون بكينونته وسيرورته في مرحلة صيرورة مستمرة لا تتوقف.

وفي الفصل الثاني الذي استهله بتاريخ السنة النبوية وتاريخها، اقترح أسسا جديدة للفقه الإسلامي وأسهب القول في الشورى والديمقراطية وأكد على أن المجتمع المدني هو الحل. 

وفي الفصول الثالث والرابع والخامس وضح حق المرأة المسلوب في والإرث والقوامة والحضانة حتى بلوغ سن الرشد للأولاد، وحدد متعة المطلقة بنصف مال الزوج المكتسب خلال زواجهما، وبيت الزوجية من حق المرأة في حال الطلاق حتى وإن كان المالك هو الزوج، ويفقد هذا الحق في حال الفاحشة.

ونوجز ما ذكره في الفصل الثالث، والذي عنوانه "الوصية والإرث"، في النقاط التالية:
- الوصية مقدمة على الإرث في عملية نقل الثروة 
- الوصية كتبت على الناس كما كتب الصوم والصلاة. 
- الوصية جاءت تكليف على كل أهل الأرض {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا للمتقين}.
- جميع أهل الأرض يوصون الآن إلا المؤمنين.
- ساحة الوصية مفتوحة، وهي خاصة لكل واحد بينما الإرث قانون عام بينما ساحته خاصة. 
{وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا قولا معروفا} أي عند كتابة الوصية.
- قاعدة "لا وصية لوارث": خاطئة لأنها تعارض التنزيل الحكيم. 
- الأساس في المواريث هو الأنثى والذكر تابع لها. أي أن الأنثى هي الأساس. 
- لا يرث إلا من ذكر في الآية، فالأخوال والأعمام لا يرثون. 
- البنت إذا كانت واحدة أو مجموعة بنات فلها أو لهن جميع التركة.
- القرآن لم يذكر حالة الجنس الواحد لأن الإرث يوزع بالتساوي بينهم أو بينهن.
{آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا}، هذا الجزء من الآية يتحدث عن الأصول مهما علو والذين يدخلون في قوله تعالى {آباؤكم}، والفروع مهما نزلوا الذين يدخلون في قوله {أبناؤكم}.

وفد فرّق الدكتور شحرور بين معنى لفظي "النصاب" و "الحظ"، ولفظي "أكثر" و "فوق". فالنصاب يكون معلوم القدر، مثل نصاب الزكاة والوصية، أما الحظ فمجهول القدر، مثل الإرث. ولفظ "أكثر" يشير إلى عدد صحيح، بينما "فوق" يشير إلى عدد عشري أو كسري.

واستند الدكتور شحرور على ثلاثة أحكام:
1- الحد الأول {للذكر مثل حظ الأنثيين}
2- الحد الثاني {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك}
3- الحد الثالث {وإن كانت واحدة فلها النصف}

كما استعمل الدكتور شحرور في تقسيم الإرث المعادلات الرياضية الحديثة، وهي:
1. نظرية المجموعات (الرياضيات الحديثة) مجموعة الذكور ومجموعة الإناث. وبعدها استعمل الزمر والتي هي حالة خاصة من المجموعات. 
2. الرياضيات التحليلية.
3. الكم المتصل (الهندسة التحليلية) (معادلة قطع زائد).
4. نظرية الاحتمالات.

وباستخدام المعادلات الرياضية الحديثة انتهت مشكلتا الرد والعول.

وفي الفصل الرابع كان الحديث عن التعددية الزوجية والتي حصرها بالأرامل ذوات الأيتام اعتمادا على قوله تعالى: { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا} (النساء 3). ومما قاله في هذا الفصل: إن من الخطورة على المجتمع من خلال العلاقات الأسرية أن نعزل مسألة التعددية اليوم عن المحور الأساسي الذي ارتكز عليه الأمر الإلهي بالتعددية، وهو محور اليتامى، ونجعل منها مسألة ترسخ الذكورية، وتطلق يد الرجل بالزواج متى شاء مثنى وثلاث ورباع، في مجتمع غير محارب يتوازن فيه تقريبا عدد الذكور بالإناث. ومن الخطورة الأكبر أن نبتدع، كما يفعل بعض فقهاء اليوم، مبررات للرجل تسوغ له الزواج بأربع تحت عناوين ركيكة حينا، ومضحكة حينا آخر، وظالمة في كل الأحيان.

في حين ضم الفصل الخامس موضوع القوامة، والذي كان لبه تأويل الآية: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا} (النساء 34)، وفيه حدد الدكتور شحرور معنى مصطلحي "الرجال" و "النساء". فالرجال هم المتمكنون إداريا وماليا ومعنويا سواء كانوا ذكورا أو إناثا، والنساء ما تلى أو ما تأخر عنهم في التمكن والإمكانية. وعليه فإن مصطلح "الرجال" يطلق على الذكور وعلى الإناث. وكذلك لفظ "النساء" يطلق على الذكور أو الإناث.

ولنتأمل هذه الآيات: 
{بما فضل الله بعضهم على بعض} للتأكيد لم يقل بعضهم على بعضهن وإنما بعضهم على بعض أي ذكور وإناث.
{وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا} وهنا المقصود بـ"رجالا" الذكور والإناث.
{من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه}، وأم عمار هي أول القتلى في سبيل الله. 

وهنا يتضح أن للقوامة شرطين:
1. الكفاءة الإدارية {بما فضل الله بعضهم على بعض}
2. الكفاءة المادية {وبما أنفقوا من أموالهم}

ولعل أكثر الأمثلة وضوحا هي البيت النبوي الأول، حيث كانت القوامة لأم المؤمنين خديجة عليها السلام على النبي

والنشوز هو الاستعلاء والاستكبار، ولا ينشز إلا المرأة الصالحة للقوامة. {فالصالحات} أي للقوامة وهذه الحالة الأولى التي تكون فيها القوامة للمرأة. والمرأة الصالحة هي التي تكتم ما يدور في بيتها وتحفظ لزوجها كرامته ولا تستغل قوامتها لإهانته، وإن استبدت وتحكمت (نشزت) فيمكن هجرها (إن كانت زوجة، فقد تكون أخت)، أو ضربها أي سحب القوامة منها، {واضربوهن} لا تعني أبدا الضرب الجسدي، كقولنا مثلا "ضرب بيد من حديد"، أو ضرب عليها بمعنى شطبها، وفي الآية التي تلي يضع حلا أخيرا هو تدخل الأهل. وكثيرا ما نرى هذه الحالات في حياتنا اليومية، إذ يمكن أن تكون الأخت أو الزوجة هي التي تعمل وتنفق على المنزل، ويكون القرار لها فيه، فإن كانت زوجة ونشزت بمعنى استغلت وضعها وتكبرت فللرجل أن ينصحها أولا ثم يهجرها ثم يسحب منها القوامة، أي الضرب بمعنى اتخاذ موقف حازم. أما إن كانت القوامة للرجل أصلا فتكون هذه الحلول لا معنى لها.

أما الفصل السادس فقد خصصه للحديث عن اللباس، وفيه لم ينكر الدكتور شحرور الأعراف الإجتماعية في اللباس والزينة، ولكنه رفض أن يكون اللباس الاجتماعي لنساء شبه الجزيرة العربية في القرن السابع زيّا إجباريا للنساء المسلمات في كل زمان ومكان، وهذا ما كانت عليه المنظومة الفقهية الموروثة.

{وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن ...}
 (النور 31). 
إن الأمر في هذه الآية بتغطية الجيوب، إذ أن الزينة هي الجيوب. والجيب هو شق بين جدارين، أما الخمار فهو ما يغطي الجسم، واصطلح العرب على أنه غطاء الرأس. والجيوب نوعان: جيوب ظاهرة وجيوب مخفية. فالجيوب الظاهرة هي جيوب الوجه واليدين والرجلين، وجيوب الوجه هي العيون والفم والذقن والأذنين، وهذه الزينة هي هوية المرأة، ولا يجوز أصلاً تغطيتها. أما الزينة المخفية فهي بين النهدين وتحت النهدين وتحت الإبطين (الجيوب العلوية) والفرج والإليتين (الجيوب السفلية) فيجب تغطيتها، هذا فيما يتعلق بالحد الأدنى من اللباس. أما الحد الأعلى فهو تغطية الجسم كله ماعدا الوجه والكفين، ومعظم نساء أهل الأرض تلبس بين هذين الحدين، ونساء شبه الجزيرة العربية كانوا يرتدين ثيابا مفتوحة الصدر، ويضعن غطاء رأس، فجاء الأمر بتغطية الجيوب. وهذا يقودنا إلى الأصل في اللباس ألا وهو دفع الأذى سواء أكان الأذى الطبيعي أم الأذى الاجتماعي {أن يعرفن فلا يؤذين}. إذن، لباس الخروج الاجتماعي للمرأة هو ابتداء من الحد الأدنى وهو حسب أعراف المجتمع الذي تعيش فيه وحسب ظروف الزمان والمكان بحيث لا تتعرض للأذى الاجتماعي، ويتدرج حتى يبلغ حده الأعلى بإظهار الوجه والكفين فقط. وأما غطاء الرأس بالنسبة للرجل أو المرأة ليس له علاقة بإسلام ولا بإيمان وهو يتبع أعراف المجتمع بشكل كامل. وهكذا نرى حنيفية الإسلام في اللباس، لذا جاء اللباس الخارجي وهو الجلباب كتعليم من باب النبوة {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين..} (الأحزاب 54).

وختم كتابه بالدعوة إلى تعديل قانون الأحوال الشخصية بالنسبة للمرأة في كثير من البلاد العربية والإسلامية في منحها حق إعطاء الجنسية لزوجها من غير مواطني الدولة التي تنتمي إليها وكذلك لأولادها. وهذا الحق مازال محصورا بالرجل في معظم البلاد العربية إن لم يكن كلها، مما يؤكد ذكورية المجتمعات العربية إلى اليوم، وأن المرأة مازالت مواطنة من الدرجة الثانية.

لا ننسى أن ما تناوله مهندس القراءة المعاصرة في هذا الكتاب هو سبب رئيس في ما تعرض له الدكتور شحرور من هجوم المؤسسات الدينية ومؤسسات الإفتاء والفقهاء في هذا العصر، لأنه تعرض لما يمثل للفقهاء "بقرتهم المقدسة" ألا وهو الفقه، وما أدراك ما الفقه الإسلامي !
***********************
المراجع

1. محمد شحرور، نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي - فقه المرأة، دار الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، سوريا، الطبعة الأولى 2000 م.