الأربعاء، 2 أغسطس 2017

غذاء الشيطان

الشيطان؛ هذا الذي يعمل عمله في الإنسان، فيؤزّه أزّا لارتكاب الشرور!

كيف لنا أن نكشف عنه؟ وكيف لنا أن نتعرف على الوسائل التي يعتمد عليها لإلحاق الأذى بهذا الإنسان الضعيف؟ .. لأن معرفتنا لهذه الوسائل التي يتغذى بها الشيطان ليستمر في كيده للإنسان، ستمكننا من كشف القناع عن جانب من جوانبه الخفية، وبعدها قد نستطيع محاصرته والحد من نفوذه وتسلطه! ثم إن تلك المعرفة قد تعيننا على الوصول إلى مصلٍ يكسبنا مناعة ضد وساوسه اللعينة.

فعلامَ يتغذى الشيطان ؟!

لا شك أن هناك أسئلة كثيرة يمكن إثارتها إذا اعتبرنا الشيطان شيئا منفصلا عن الإنسان!
لكن !!
ماذا لو كان الشيطان رمزا للشر الإنساني ؟
أي أن الشيطان ليس إلا كناية عن الشر الإنساني!!
وبتعبير رياضي : الشيطان = الشر الإنساني

حينها يكون غذاء الشيطان هو غذاء الشر الإنساني، فما هو هذا الغذاء؟ وهل يكون غذاؤه من خارج الإنسان (وهنا يكون الإنسان ضحية عوامل خارجة عنه) أم أنه موجود في الإنسان ذاته (وهنا يكون متعلقا بحرية الإرادة لدى الإنسان)؟

إن ظاهرتي الخير والشر تكون في العمل الإنساني، ولذا توجب علينا أولا أن نعرف ما الذي يتحكم في سلوك الإنسان، أي ما يأتيه من تصرفات واستجابات ظاهرة للعيان بحيث يمكن رصدها. ولمعرفة سلوك الإنسان يلزمنا (ولو بشكل عام) معرفة الجهاز العصبي المتحكم في مختلف أنشطته، وخاصة الدماغ المتربع على عرش السلطة في الجهاز العصبي. 

إن بنية الدماغ البشري حسب نظرية العالم الأمريكي بول ماكلين*، الذي قسمه إلى ثلاثة مناطق: أولها الدماغ الزواحفي؛ والذي يتكون من الجزأين الخلفي والمتوسط من الدماغ، اللذين يحتويان على جذع الدماغ والمخيخ والعقد القاعدية. وهي التي تتحكم في الوظائف الأساسية والسلوكيات الضرورية للبقاء والتكاثر. ثم ثانيا الدماغ الثديي (الجهاز الحوفي) الذي يقع قرب مركز الدماغ، ويتكون من بنى تتحكم في سلوكيات ضرورية للكائنات الاجتماعية وكذلك بنى تتعلق بالعواطف. والمنطقة الثالثة هي القشرة الحديثة للدماغ (اللحاء الجديد) والتي تتحكم في السلوك الإدراكي الأعلى مثل قدرات التحليل والتفكير المنطقي.

والعلاقة بين هذه المناطق الثلاث من خلال وظائفها المتداخلة والمتشابكة: الغريزة (غريزة البقاء والتكاثر) والانفعالات (العواطف) والفكر؛ هي علاقة تكاملية تنافسية لدارات مختلفة من التغذية الرجعية بين مراكز التحكم لاتخاذ القرارات. فعلى سبيل المثال، التفكير المنطقي يأخذ عدة ثوان؛ فهذا يعني أن من المستحيل غالبا إجراء استجابة عقلانية لحالة طارئة، وغالبا ما تكون استجابة انفعالية. ولذا تعتبر الانفعالات (الغضب، الخوف، ..) استجابات فورية، وغالبا لا يتحكم وعينا بها. والعقلانية مثلا هي سيادة الفكر على العاطفة والغزيرة دون إلغائهما. ولا شك أن هناك عوامل أخرى مثل الرغبة والإرادة والعادة وغيرها

إن المتأمل في عصور التاريخ الإنساني يجد أن أكثرها ظلاما هي تلك العصور التي استعلت فيها العاطفة وسيطرت على التفكير العقلاني/ المنطقي وحرمت العقل القدرة التحليلية الناقدة. إن سيادة العاطفة على الفكر نتج عنه اختراع المعتقدات اليقينية التي لا يقبل أصحابها حتى مجرد التفكير في مساءلتها، وهذه الحالة تسمى "التعصب"، حيث استحوذ اليقين على عقل صاحبه ولم يترك فيه مكانا لبديل عنه.

فما التعصب ؟ وما أسبابه ؟ 

عصب: العين والصاد والباء أصل صحيح واحد يدل على ربط شيء بشيء. والعصب: الطي الشديد. ورجل معصوب الخلق كأنما لوي ليا. ومنه العصبة أي جماعة المرء. (معجم مقاييس اللغة)

التعصب (Prejudice) يعني التحيز والتحامل، ويعني الحكم المسبق غير المنطقي، الذي لا يستند إلى خبرة واقعية أو إلى دليل موضوعي. وقد يعرف التعصب بأنه اتجاه سلبي نحو جماعة محددة اجتماعيا. ولهذا الاتجاه مكون معرفي (الأفكار النمطية) ومكون وجداني انفعالي (مشاعر الكراهية)، وهذا المكون الانفعالي هو أكثر ما يميز التعصب.

وهنا نلاحظ أن الانفعالات، التي غالبا لا يتحكم بها الوعي، هي مكون رئيس للتعصب، بينما يغيب التفكير العقلاني الذي يتميز به الدماغ الإنساني عن ساحة التعصب الضيقة. وغالبا ما يولد التعصب مشاعر الكراهية نحو الجماعة المتعصب عليها، وقد يتعدى ذلك إلى سلوكيات عدائية مختلفة تظهر شدة التعصب، حيث افترض غوردون ألبورت خمس درجات للسلوك تتزايد في شدة تعبيرها سلوكيا عن التعصب: أسلوب كلامي أو تعبير لفظي مضاد، التجنب، التمييز من خلال حرمانهم بعض حقوقهم، والاعتداء عليهم العدوان الفعلي، والقتل.

والتعصب عادة ما ينشأ لأسباب دينية أو سياسية أو قومية عرقية، وتمتد أسبابه لتكون علمية أو ثقافية. وكان جون بوردن هالدن قد اعتبر التعصب الديني أحد أهم أربعة ابتكارات بشرية حدثت في الفترة ما بين عامي 3000 ق.م. و 1400م، بالإضافة إلى الاستخدام العام للحديد والطرق المعبدة والتصويت. وليس هناك أوضح من التعصب الديني الذي لطخ واقعنا بأنهار الدم (خاصة ما يحصل بين السنة والشيعة)، والذي غالبا ما يصاحبه تصنيف الجماعات إلى كافرة ومؤمنة. ولعله بات أكثر وضوحا أنه حيثما حلّ التطرف الديني؛ حلّ التعصب. وقد يجرّ التطرف في التفاخر بالأصل والقومية إلى التعصب القومي، سواء كان بين العرب والفرس، أو بين العرب والترك، هذا إذا لم يظن العرب أنهم أشرف المخلوقات على الإطلاق. وليس معنى هذا أن الغرب الأبيض أو الشرق الأصفر أو الشمال الأشقر أو الجنوب الأسمر براء. وقد يكون التعصب في المجتمع الواحد، حين يتوجه من الأغلبية إلى الأقلية، ما يسمى اضطهاد الأقلية. ولا أتردد في القول بأن الاستياء أو الضيق من التنوع والاختلاف بين أفراد المجتمع هو إحدى علامات التعصب. حيث أن التعصب ضد جماعة ما، غالبا ما يكون نتاج الجهل بها، وعدم محاولة التعرف عليها، كما أنه يعكس انغلاقا عن الآخر.

إن التعصب ظاهرة فردية وجماعية، أي أن هناك عوامل نفسية (الإحباط، الإسقاط، الشخصية التسلطية، ..)، وأخرى اجتماعية (التنشئة الاجتماعية) تعمل على تحديد وتشكيل التعصب. [ولهذا كان التعصب أحد مباحث علم النفس الاجتماعي**]

والآن؛ كيف يفكر المتعصبين ؟!

إن ما يغلب على التحكم في قرارات المتعصبين وسلوكهم هو انفعالاتهم مع غياب التفكير العقلاني، وهذا ما يجعل قراراتهم المنبثقة من تفكيرهم الضعيف أكثر فسادا وأعظم خطرا. حيث أن المتعصبين لا يشكّون في صحة عقيدتهم (عقيدة مطلقة)، فهي مسلمة لا تقبل التساؤل، وهي عندهم أصحّ من القول بأن حاصل الجمع بين 1 و 1 هو 2، وذلك لاعتقادهم أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة. ومطلقية اعتقاداتهم تعزز توظيفها الانفعالي، وتمنحهم الوهم بالقدرة الكلية، و "يترافق الشعور بالقدرة الكلية (الطّفْلية) مع حماس نرجسي وتمجيد لفكرة الانتماء إلى هذه الجماعة ممن اصطفاهم الأزل أو التاريخ".

وفي تاريخ نشأة الحركات الدينية، يجري تعبئة الأفراد وربطهم بمثل أو أفكار تنتمي إلى ثقافتهم، ولأن هذه المثل أو الأفكار مطلقة، فهي "تستحق أن يضحي المرء بنفسه لأجلها، وأن يضحي بالآخرين في سبيلها". وفي المتعصبين "تمرد على شيء ما غير مشبع، وموجود وبحث عن شيء ما كامل، يسعون لإحلاله محل ما ينقصهم".

"‏إن المتعصب، المبهور بمثال انسلابي يقضم حريته، يعيش تجربة يجري إنكار مأسويتها .. وهي غالبا ما تخفي عذابا وخوفا من الشعور بالعجز، الشعور بالنقص، فهي التعويض عن الجرح الذي يصيب صورة الذات، وعن الانحراجية المستديمة". ويفرق بولتروير بين المتعصب الأصلي والمتعصب المنقاد. فالأول بيده الأمر/ السلطان الذي يسمح له بأن يعطي لجماعته الإذن بالتغلب على النواهي المفروضة من الأنا الأعلى. (هل عرفتم معنى أمير الجماعة وقائد التنظيم؟!)

ونرجع الآن لنسأل مرة أخرى: ما غذاء الشيطان ؟

لقد رأينا كيف أن الأحكام المسبقة هي أقفال على عقول أصحابها، تمنعهم من قبول الآخرين ورؤية ما لديهم من فضائل ومشتركات، ولهذا التعصب أعمى؛ لأنه يعصب على عقل صاحبه، فيعطّل قوى إدراكه، ويفقده بصيرته، فلا يعود المتعصب قادرا على التمييز، فيضلّ سواء السبيل.

يقول الفيلسوف الأمريكي المعاصر رالف بارتن بري: "إن الحالة المعروفة بالتعصب إنما هي أفظع القوى الإنسانية المدمرة للذات وأقواها شرا. إنها شريرة لأنها تمحو أو تهدم جميع حوافز الرأفة وتزيل ضوابط الفكر النير وهدايته وتجرد الإنسان من نزعته الإنسانية الخيرة وتفسد الحياة وتحقرها في صميمها. إنها أفظع من القنبلة الذرية أو القنبلة الهيدروجينية لأنها تزود بالعاطفة الدافعة التي تسير هذه الآلات".

هكذا يكون التعصب غذاء للشرور الإنسانية، وهكذا يكون التعصب غذاء الشيطان!

وليس من الهين علاج التعصب! فالتعصب كسلوك أو كاتجاه يتطلب تغييرا على مستويات مختلفة، منها: مستوى التنشئة الاجتماعي والعلاقات بين الجماعات، ومستوى التأثير الاجتماعي الذي يتأثر به الأفراد، ومستوى قابلية الأفراد للتعصب.

بل إن البعض يقرر أنه ليس هناك من علاج للتعصب! ذلك أن التعصب ينبثق من تغليب العاطفة على التفكير المنطقي، ولذا هناك إمكانية حقيقية لأن يثور كلما ضعف التحكم فيه وفي الظروف التي تساعده على الظهور.

لقد فطر العقل على كل من الفكر والعاطفة والغريزة، فالفكر المنطقي يحتاج إلى دفء العاطفة، والعاطفة تحتاج إلى نور الفكر. والعقل إنما هو عملية الربط بين المدركات الواردة إليه عن طريق التفكر المنطقي (القشرة أمام الجبهية) والعاطفة (الجهاز الحوفي) ومختلف أجزاء الدماغ، واستخلاص النتائج منها، ثم اتخاذ القرارات المناسبة. 

إن الشيء الذي يمكن أن ينجزه الفرد في سبيل الحد من التعصب على المستوى الشخصي هو اعتماده على التثقيف الذاتي، حيث المعرفة تزيد في المرونة العقلية التي تستطيع كبح جماح الانفعالات الحادة "وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا"، كما أنها (أي المعرفة) توسع من إدراكه لذاته وللعالم الذي يعيش فيه، وتجعله يقول: إما كذا .. وإما كذا.

وختاما هذه الأبيات التي كتبها رابندرنات طاغور:
حيث العقل لا يخاف ، والرأس مرفوع عالٍ
وحيث المعرفة حرة
وحيث العالم لم يُمزق جدرانه التعصب
وحيث تخرج الكلمات من أعماق الحقيقة
وحيث الكفاح المستمر يمد ذراعيه نحو الكمال
وحيث لا يفقد جدول العقل مجراه في صحراء التقاليد الميتة
وحيث يقود العقل نحو ساعات أفسح من الفكر والعمل
تحت سماء الحرية تلك، يا إلهي، أيقظ وطني
----
الهوامش
* أظهرت دراسات بعض التعديلات على هذا النموذج.
** لعله من المهم معرفة كيف تؤدي هذه العوامل إلى التعصب وكيف يمكن عن طريق فهمها كبح التعصب.
----
المراجع
1. مستقبل العقل، الاجتهاد العلمي لفهم العقل وتطويره وتقويته ،ميشيو كاكو، ت. سعد الدين خرفان، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، الطبعة الأولى، 2017
2. سيكولوجية التعصب، هاينال وآخرون، ت. خليل أحمد خليل، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 1990
3. إنسانية الإنسان بارتون رالف بري، ت. سلمى الخضراء الجيوسي، المعارف، بيروت، الطبعة الأولى، 1961

الجمعة، 12 مايو 2017

صدمة الشك

عندما يتعلم الشاب شيئا قليلا، فإنه قد يظن بسذاجة الطفل الغرّ أنه تعلم كل شيء! في هذه المرحلة قد يحدث لديه شك يجعله يتخذ قرارات تعارض ما يعتقده وربما أدى ذلك إلى إنكاره لما كان يعتقده!

لكن هذا الشاب ما إنْ يتبحر في العلم حتى يدرك أنه لا يعلم إلا شيئا يسيرا جدا، بل إنه سيدرك أنه لم يخض بحر العلم بعد. ثم إن هذا الشاب وبعد أن اتسعت مداركه من خلال القراءة والبحث، فإنه غالبا ما يبدأ في مراجعة نفسه، في مراجعة مسلماته واختياراته، يبحث في كل اتجاه عما يؤكد به خياراته وقراراته أو يدحضها، يطرح على نفسه الأسئلة تلو الأخرى رافضا الإجابات الجاهزة المعلبة. إنه يبني وعيه وفهمه معترفا بنسبية ما يتوصل إليه واحتمالية وقوعه في الخطأ، لذا يكون الشك في نتائجه هو ما يجعله يتقدم باستمرار. إن هذا الشاب عندما يؤمن فإن إيمانه سيتخذ شكلا مختلفا، سيكون أكثر وثوقا وأكثر رسوخا!

أما بعد،

فلعل من أصعب المراحل التي يقابلها الكثير من الشباب والشابات وهم في ساحة الحياة هي تلك المرحلة التي تتمثل في تعارض الدين مع العلم. في هذه المرحلة قد يصطدم هذا الشاب (أو تلك الشابة) بأسئلة لم يتعود على طرحها، بل لم يسبق له أن صادف مثلها لأسباب كثيرة، منها ما تكون الأسرة سببا فيه، ومنها ما يتحمله نظام التعليم البائس.

فالأسرة تعمل على كبت اندفاع الأطفال الفطري والتلقائي إلى طرح الأسئلة، إما بالتهرب من الإجابة وإما بنهرهم عن طرح الأسئلة التي تتعلق بالوجود والميتافيزيقيا (سواء لجهل آبائهم أو لغياب أبسط أساسيات التربية الحديثة عن الوالدين)، وهذه التربية لا تنتج إلا أطفالا مكبوتي الشخصية، يعانون من هشاشة في الروح وتآكل في الأفهام. وأما نظام التعليم فإنه يساهم في انغلاق عقول الشباب بتقييدهم بمناهج مقررة سلفا وفرض اتباعها على التلاميذ والمعلمين، والتي لا تكون مخرجاتها إلا شبابا مقيدا، لا ينعمون إلا بظلام كهوف التعليم الرطبة والمعتمة، ولا أدل على ذلك من طريقة تقييمهم في آخر الأمر، حيث تتم بطريقة هي أشبه ما تكون بترويض الحيوانات لتكون أليفة مطيعة يسهل التحكم بها واستغلالها في خدمة أصحابها دون أن يتجاوز ما تتطلع إليه العلف الذي تأكله آخر اليوم!

ونرجع إلى ذاك الشاب الذي أصبح في دوامة الشك وحاله كحال ذاك الشخص الذي يشعر بدوار بينما هو جالس وسط أناس يتحدثون ويضحكون ولا يعلمون عنه شيئا، فهو (أي الشاب) لا يعرف كيف يمكنه أن يوفق بين ما يقوله الدين وبين ما توصل إليه العلم. وقد يخيل إليه أنه أمام خيارين لا ثالث لهما: العلم أو الدين؟

لقد حُرم هذا الشاب من حقه في الشك منذ البداية، حيث كان يجب أن يتعلم كيف يكون الشك المعرفي طريقا لاكتساب معرفة راسخة، ومَن لا يملك الحق في الشك فإنه لا يملك حرية التفكير ولا يعرف قيمة التفكير العقلاني.

ولو أن هذا الشاب سأل نفسه أسئلة كان من الواجب أن يتدرب عليها خلال سنوات التعليم العام، حيث كان من المفترض أن تُنمّى لديه طريقة التفكير والبحث ومساءلة المعلومة مهما كان مصدرها ثم مناقشتها مع أقرانه أو معلمه أو والديه (ولكن!!)

ومن تلك الأسئلة على سبيل المثال:
- ما العلم؟ ما طبيعة النتائج التي توصل إليها؟ هل نتائج العلم حقائق مطلقة؟
- ما الدين؟ هل يكون الدين إلهي أم بشري؟ وهل يجوز أن يكون الدين بشريا؟ ثم إن جاز ذلك، فهل يجوز أن يكون هذا الدين البشري لكل الناس في كل الأمكنة وكل الأزمنة؟

إنه عندما يبدأ المرء بتفحص ما توصل إليه العلم (العلوم الطبيعية على سبيل المثال)، فإنه ومن خلال قراءته لتاريخ العلم يجد أن ما يقرره العلم هو طيف من الاحتمالات، ولا يمكن أن يقرر العلم حقائق مطلقة.

ولنضرب بأمثلة من علم الفيزياء، العلم الأكثر دقة بعد الرياضيات لنتعرف على طبيعة النتائج التي توصل إليه العلماء على مر العصور، والتي لم تكن سوى نظريات يتم نقضها بواسطة العلماء اللاحقين بعد أن يعدلوا فيها أو يكتشفوا نظريات أكثر تفسيرا للواقع، مع إدراك أن الحقائق العلمية ذاتها هي حقائق مرنة وقابلة للتكذيب.

إننا إذا استعرضنا الأفكار الثورية في تاريخ علم الفيزياء فستكون هناك الأفكار القديمة ثم عصر النهضة فالعصر الحديث وصولا إلى عصرنا اليوم.

لقد أعتقد الناس قديما ولمدة طويلة بأن الأرض لا تتحرك وأنها مركز الكون الثابت، ويوصف هذا التصور للكون بـ"الكون البطلمي" نسبة إلى بطليموس صاحب كتاب المجسطي، وهو نفس تصور الكون لدى اليونانيين والرومان. واستمر هذا التصور حتى القرن السادس عشر الميلادي عندما جاء نيقولاس كوبرنيك وقال بأن الشمس لا الأرض هي الساكنة (1)، وبذلك ظهر تصور مركزية الشمس. بعد ذلك جاء جاليليو جاليلي الذي طور التلسكوب (المقراب) وبواسطته أكد صحة نظام كوبرنيك وخطأ النظام البطلمي. وأما معاصره الألماني يوهانس كبلر الذي ورث جداول صديقه الدنماركي تيخو براهه ومركزه في براغ، فقد كان مقتنعا بما توصل إليه كوبرنيك. إن أكثر ما اشتهر به كبلر هو اكتشافه لقوانينه الثلاثة عن حركة الكواكب حول الشمس. وهؤلاء جميعا كانوا قد مهدوا الطريق للقرن السابع عشر ليكون انطلاقة علم الفيزياء الحديثة بزعامة السير نيوتن. لقد اكتشف نيوتن قانون الجاذبية (الثقالة)، وكذلك النظرية الجسيمية للضوء، وقوانين الحركة الثلاثة، وقال كذلك بالمكان المطلق والزمان المطلق، ويعزى إلى نيوتن وليبنتز اكتشاف حساب التفاضل والتكامل.

وضع كريستيان هويغنر (1629 - 1695) نظرية موجية للضوء، التي حلت محل نظرية نيوتن الجسيمية، لأنها كانت تفسر جميع الظواهر والخواص الضوئية المعروفة وقتها، والتي لم تستطع نظرية نيوتن تفسيرها (ديبروي 1924 يؤكد أن للضوء طبيعة مزدوجة جسيمية-موجية). وظهرت بعد ذلك نظرية ماكسويل الكهرطيسية وقانونا الترموديناميك الأول والثاني، وكانت قد أثارت بعض التساؤلات عن مدى صحة قانون نيوتن الثاني.

ولم ينتهي القرن التاسع عشر حتى بات فريق من الفيزيائيين يعتقد بأن الفيزياء بلغت أو كادت نهاية الشوط، لأنهم رأوا في الفيزياء النيوتنية ونظرية ماكسويل الكهرطيسية في الضوء اكتمال الفيزياء النظرية. لكن الثورة الفيزيائية التي حصلت في النصف الأول من القرن العشرين لا تقل أهمية إن لم تكن تفوقت على الثورة النيوتنية. قدم الألماني ماكس بلانك نظرية الكم في عام 1900م، وقد أحدثت النظرية الكمومية ثورة في الفيزياء الحديثة أو ما يسمى ميكانيكا الكم، وأضاف هايزنبرغ مبدأ الارتياب أو اللايقين، كل ذلك أدى إلى إبطال مبدأ الحتمية عند نيوتن. وفي عام 1905م أنجز أينشتاين نظريته النسبية الخاصة، حيث وحد بين المكان والزمان في كيان فيزيائي واحد هو الزمكان، وبذلك حطم فكرتي نيوتن المنفصلتين، المكان المطلق والزمان المطلق. وفي نظريته النسبية العامة استبدل انحناء الزمكان المتعدد الجوانب بقوة الجاذبية عند نيوتن، وقد ساهمت أيضا في نظرية نشوء الكون. لقد وجدت نظرية الكم والنظرية النسبية العالمين: عالم الجسيمات المجهري (نظرية الكم) و عالم النجوم والمجرات العياني (النظرية النسبية). 

لقد بات واضحا مما ذكر سابقا (وإن كان يعيبه الاختصار) من تاريخ علم الفيزياء أن العلم لا يمكن أن يقرر حقيقة مطلقة، بل هي نظريات وقوانين قابلة للتغيير والابدال عندما تظهر قوانين أخرى تفسر الواقع بطريقة أكثر بساطة وشمولية، وما زال علماء الفيزياء سائرين في الطريق الذي يتمنون أن ينتهي بهم عند نظرية كل شيء!

من جهة ثانية، قد يقول قائل مستنكرا: إن رجال السياسة يستخدمون رجال الدين، والذين بدورهم يكيفون الدين ليناسب ما يمليه عليهم رجال السلطة.

ونقول له: صدقت، وماذا عن مشروع مانهاتن؟ وكيف أن أمريكا استخدمت مجموعة من علماء الفيزياء في مشروع تصنيع القنبلة النووية، هذه القنبلة التي راح ضحيتها مئات الآلاف من الأبرياء، وكان من ضمن أولئك الفيزيائيين أوبنهايمر وروبرت ويلسون وريتشارد فاينمان وغيرهم.

ومن جهة ثالثة، فقد برزت في منتصف القرن العشرين أسئلة كبيرة ومفصلية عن جدوى العلم خاصة بعد الهجوم النووي على هيروشيما وناجازاكي، ومن تلك الأسئلة: 
- ما دور العلم في حياة الإنسانية؟
- هل العلم في ذاته خير أم شر؟
- هل العلم نفسه مجرد أداة تستعمل للنفع أو الضرر؟
- هل العالم من حيث أنه عالم مفيد للإنسانية؟ ثم هل يجب ضبطه؟ فإن كان كذلك، فكيف يمكن ذلك؟

من الواضح أن العامل الأساسي في إحداث الشرور التي نتجت عن طريق رجال الدين أو رجال العلم هو نفس العامل، إنه الكائن البشري.

إن الإنسان هو المتسبب الأول في معاناة الإنسان سواء أكان ذلك بمنعه الخير أو بارتكابه الشر، وسواء أكان ذلك بطرق مباشرة أو بطرق ملتوية؟! طرق تُخفى تحت مسمى هيئة دولية أو من وراء عناوين فضفاضة كحفظ الأمن الدولي أو بالوقوف أمام الكاميرات لتأكيد القضاء على الإرهاب.

خاتمة
- إن الإنسان السائر هو نبي الله إبراهيم، وإن إبراهيم هو إمام الناس، ولكي تصل إلى اليقين عليك بفأس إبراهيم.

******

الثلاثاء، 14 مارس 2017

الشعب الجاركوني

أكتب لك يا صديقي عباس عن الشعب الجاركوني، هذا الشعب الذي تمتد جذوره لأكثر من أربعة عشر قرنا ومع ذلك ما زال أفراده مشغولين بالمظاهر الخارجية والتفاهات والقشور التي تأنف الرياح من كنْسها.

إن الشعب الجاركوني شعبٌ يتغنى بالماضي كثيرا مع أنه لم يصنع فيه شيئا، وإنما كان صنيعة أناس قد رحلوا معه. ومن المفارقة أن الجاركونيين ومع ماضويتهم إلا أنهم يستهلكون المنتجات العصرية والتي لو رآها أسلافهم لماتوا مثلما مات أصحاب الكهف بعد أن وجدوا أنفسهم في زمن غير زمنهم.

وأمر ثانٍ يذكرنا بالقرون الماضية، قرون الاضطهاد الديني، وهو أن الجاركونيين يسارعون ليس إلى تكفير الآخر المختلف عنهم فقط، بل حتى أولئك الأفراد الذين ينتقدون شخصياتهم التاريخية، لأنهم يقدسون الماضي بشخصياته وأحداثه حتى وإن زعموا غير ذلك.

ربما تسألني يا صديقي عباس: ولماذا يقدسون الماضي؟

إنك إذ تطوف بنظرك الجهات الأربع فلا تجد إلا أمما وشعوبا قد بلغت من التقدم والنجاح مبلغا عظيما، ولما لم يستطع الجاركونيون أن يبلغوا ما بلغه غيرهم من تقدمٍ في شتى ميادين العلوم وتطورٍ في مختلف مجالات التصنيع، وتميزهم في تقرير الحريات وعدالة القوانين التي تنسف أي تمييز بين أفراد المجتمع، فإنهم (أي الجاركونيين) إرتأوا التقليل مما حققه الآخرون، لقد أصبح الواقع أكثر ألما للجاركونيين وأصبح التخلف والتبعية للآخر محبطا لهم، فلم يجدوا إلا تراثهم الماضي المنمّق ليركنوا إليه حين كان لأسلافهم عزة ومكانة، وإن كانت أوضح ما يكون في الملك. ويا للصدمة يا عباس عندما تعلم أنهم لم يقرؤوا تراثهم قراءة نقدية تمكنهم من التمييز بين الحقائق المعرفية والوقائع التاريخية.

أما إذا نظرنا إلى المستفيد من إبقاء الشعب الجاركوني متمسكا بالماضي عازفا عن العيش في الحاضر وغير مبالٍ بالمستقبل، فإننا سنجد نظاما متناسقا من السيطرة. وهذا النظام يوجه رغبات هذا الشعب وحاجاته نحو ما يتناسب مع استمرار السلطة عليه. لقد خلق هذا النظام مجتمعا سكونيا يعيق كل محاولة للتغيير، ويساهم كأداة للسيطرة على أفراده، فالمجتمع يجبرهم على التطابق، ويمنعهم من الاختلاف الذي يؤدي بصاحبه إلى العزلة حتى يغطيه الرماد. ومما هو معلوم أن عقيدة المجتمع تسد الطريق أمام أي تغيير.

إنك تعلم يا صديقي ما تعانيه الحضارة الصناعية اليوم من تفكك اجتماعي فظيع ومعاناة اقتصادية مريرة، ولكن كما أخبرتك من قبل بأن الجاركونيين لا يهتمون إلا بالمظاهر.

وسأحدثك عن أكثر ما شد انتباهي عندما عاشرت هذا الشعب. إن الجاركونيين لا ينتجون شيئا! إنهم آلات استهلاكية حتى إنك لتظن أنهم لن يعيشوا حياة أخرى. إنهم يستهلكون أشياء لا حاجة لهم إليها، والأمرّ من ذلك أنهم يستدينون لشراء كماليات وأشياء رمزية ليتفاخروا بها أمام الآخرين. إنهم لا يتباهون إلا بما يشترون وبئس ما يفعلون. ولا غرابة أن يكون شعارهم: أنا استهلك إذن أنا موجود. إن الشعب الجاركوني يستورد كل شيء تقريبا؛ الطعام واللباس، ووسائل الاتصال والمواصلات، وكذلك العقول التي تفكر عنه وتضع له الخطط المستقبلية. وإنني أستطيع أن أقول: إن الجاركونيين فقراء ولكن لا يعلمون. وهم يحبون المال أكثر من حبهم لأنفسهم، ذلك أن أحدهم إذا خسر ماله، فإنه يظل في حسرة وندامة مدة متطاولة من الزمن تكفي لأن يخسر الإنسان صحته وربما أصبح عاجزا وهو ما زال في سن الشباب، هذا إذا لم يخسر نفسه!

ولعل أكثر ما يبهرك في ثقافة هذا الشعب هي تعاليم الدين الذي يتبعه، ولكن المحزن في الأمر أن الجاركونيين لا يتبعون هذه التعاليم! إنهم فقط يرددونها كما تفعل الببغاوات. فمثلا؛ ينهى دينهم عن التبذير، ولكن الجاركونيين يتميزون بموائد الطعام الكبيرة ومظاهر الترف المقززة. وكذلك ينهى دينهم عن الكذب، ولكن الكذب منتشر فيهم. ولك أن تتخيل مدى الكارثة الاجتماعية التي يسببها الكذب، وإن كانوا يسمونه بأسماء مختلفة! والغريب أنهم يتباهون أحيانا بهذه الرذيلة، فهل تعرف شعبا في مثل هذا المستوى من الأخلاق؟

ما أكثر الفضائل التي يتحدثون عنها، ولكن الواقع يعلنها صراحة أنها لا توجد إلا في أحاديثهم وص. وهذا التناقض الذي يبدو واضحا بين أقوالهم وأفعالهم هو أحد نتائج تناقض المسلمات التي تطوف في عقولهم بكل سلاسة، وذلك لغياب التفكير النقدي، فتفكيرهم تقوده الرغبة والأحكام المسبقة، وهذا ما جعلهم ضيقي التفكير، متقوقعين على أنفسهم وقد غفلوا عن بحر الإنسانية الواسع العميق.

إن روح التعصب تسكن أدمغة الجاركونيين، ذلك لأنهم يؤمنون بسموهم على سائر الناس، وبسمو دينهم على كل الأديان، بل ومذهبهم على بقية المذاهب. وهذه الروح المعتلة تنشط كلما طغت العاطفة على العقل، وما السواد الذي يلطخ التاريخ الإنساني إلا نتاج سيادة العاطفة في ظل غياب العقل. إن التعصب شر أول ما يدمر نزعة الإنسان إلى الخير ثم سرعان ما يفتك بعقل صاحبه فيصيبه الاضطراب وفقدان البصيرة وقصر النظر، فلا يكون إلا خيبة على صاحبه. 

وإذا سألتني عن سر شقاء هذا الشعب الفارغ والمصاب بالتخمة في نفس الوقت! فإنه يجب عليك أولا أن تعرف ما إذا كان هذا الشعب يشعر بأنه في شقاء أم لا، وهنا يكمن أحد أسباب شقاوته!

إن الشعب الجاركوني يرى أنه من أكثر سكان الأرض سعادة، بل إن بعض أفراده يعتقدون أنهم وصلوا إلى أعلى مراتب السعادة لذا تجدهم دائما يبتهلون إلى الله أن لا يغير عليهم، متناسين أو بالأصح جاهلين بأن التغيير هو الصفة الثابتة في هذا العالم. ثم إن هذا الشعب يفتقر إلى تذوق الفنون؛ وهذا بسبب آراء بشرية منعت عنه الفنون، فلا يوجد من أفراده رسامون أو نحاتون أو مهندسو عمارة، ولا تكاد تسمع بالمسرح والموسيقى. إنه لم يكن للفن مجد إلا في أفواههم، وأقصد الشعر، وهو أقرب من الصنعة منه إلى الفن. فهم كثيرو الكلام ولكنهم لا يقولون شيئا. وهم مع كثرة كلامهم لا يفعلون شيئا. إنهم عديمو الإرادة، وكيف لا؟ وكل فرد منهم يشعر بأنه عاجز عن إبداع شخصيته المتفردة، وهذا الشعور بالعجز والفتور هو ما يفقد الإنسان لذة الحياة ومعناها. ويبدو أن اعتمادهم على توّهم مفاده أن الله سينصرهم (وكأنهم في حرب) وأنهم سيكونون في مقدمة الشعوب وأعلاها مكانة، سببٌ في كبح إرادتهم ومخدرٌ شل حركتهم نحو تحقيق حياة كريمة لهم. وفيهم يصدق ما قاله جون بانيل بيوري: طالما أن البشر لديهم شعور بالاعتماد على عناية إلهية، فهم لن يستطيعوا بناء نظرية في التقدم.

لعلني أكثرت عليك من عجائب وغرائب هذا الشعب الوديع الذي يفضل الأمن على الحرية، مع أني لم أخبرك عن وضع المرأة الجاركونية المأساوي، لكن إذا كان هذا حال الذكور في مجتمع ذكوري، فكيف سيكون حال النساء؟!

وسأذكر لك شيئا عن الطبقة الحاكمة. إنك لن تستطيع أن تميز بين الشعب الجاركوني وبين حكامه. وأول ما تلاحظ هو أن أخلاق الشعب ما هي إلا نتيجة لما عليه الطبقة الحاكمة، ثم إنك ستدرك غياب التفكير، فضلا عن السعي، في إحراز أمجاد تسطر أسماءهم في صفحات سجل التاريخ الإنساني البيضاء، وإن كانوا يسطرون أسماءهم في صفحاته السوداء، كسجل الحروب مثلا. إن كل ما تتطلع إليه الطبقة الحاكمة هو الاستمرار في الحكم بغض النظر عن الوسيلة التي تتخذها في تحقيق هذه الغاية، فالسلطة كما تعلم تجسيدٌ لشهوات الإنسان البهيمية.

إنني لا أعرف كيف نستطيع مساعدة الشعب الجاركوني للنهوض من هذا السبات العميق الطويل! إنك إذ تنظر إليهم فإنك لا  ترى إلا وحدة واحدة متطابقة، كقطيع تعيس من الحيوانات الأليفة. لكن الانفتاح على الآخر ووسائل التواصل الاجتماعي تنبئ بالتغيير، وهنا يجب أن نعي أن الإنسان ذو قدرة محدودة على التكيّف مع التغييرات التي تحدث له، والتغيير في حد ذاته هو أحد أهم العوامل البيئية التي تؤثر على صحة الإنسان.

نعم، إن التغيير مطلوب وحتمي في نفس الوقت، ولكن عندما يفرض نفسه على الإنسان، وبطريقة تفوق قدراته الفسيولوجية على التكيّف، فإنه يكون عرضة للإصابة بما يسمى "صدمة المستقبل"، وفي هذا يقول عالم الاجتماع لورنس سوم: "نمرّ بفترة تشبه من حيث تأثيراتها الصدمية تطور أسلاف الإنسان من مخلوقات بحرية إلى مخلوقات برية .. فأولئك الذين سيستطيعون التكيف سوف يتطورون، أما أولئك الذين لن يستطيعوا فإما أن يبقوا عند مستوى أقل من التطور، وإما أن ينقرضوا ويدركهم الفناء". وليس من الصعب تخمين أي الطريقين يسير فيه الجاركونيون وأي نهاية تنتظرهم ! 

وأخيرا يا عزيزي عباس فإنني لا أتمنى لك زيارة هذا الشعب، لأنك ستفقد لطفك وحسن ظنك بالآخرين. وكما تعلم فإن الرذيلة تستدعي بقية الرذائل، وإنه مهما كان المرء فاضلا، إلا أنّ البيئة السيئة لا بد وأن تلوثه.

الثلاثاء، 16 جمادى الآخرة 1438 هـ

الجمعة، 3 فبراير 2017

المغرد الشذري

يجب على الأدب أن يلامس حياة الناس، بل يجب عليه أن يلبس عباءتهم، أن ينفث هموم صدورهم، أن ينفض الغبار عن أعينهم، ويزيل غشاوة الجهل عن عقولهم، وأن يلتصق بهم كجلودهم، وأن يقرصها إن لزم الأمر. وما الأدب إلا حياة الناس منطوقة مسموعة ومكتوبة مقروءة. لذا يجب أن يقرأ الأدب الواقع وأن يتفاعل معه ليكشف جانبا من حقيقته.

ومن بين الذين استطاعوا أن يكشفوا واقع الحياة بأدبه الرائع، حيث قصته القصيرة ومضة لا تشعر إلا بدهشة نهايتها، وأبياته الراقصة وشذراته عميقة المعنى، المغرد الشذري مازن حمزي (@abulmozn)* المغرد الذي يراه محبوه منار علم يرشدهم وينور أمامهم ما أظلم عليهم في مجتمع المنع والدس والتلفيق. فمازن ليس بحريص على إقناع الآخرين بما يعتقده هو، لكنه يدافع عن حرية الآخرين في اعتقاداتهم وتصوراتهم واختياراتهم. وهو حتى في مواجهة الأوهام لا يستخدم إلا العقل دون عنف أو تجريح. وأما تغريداته فلها طابعها المتفرد، إنها حركة في سكون الرتابة، وملجأ من سطوة الروتين، إنها ألوان الحياة في كلمات ومعاني.

في إحدى تغريداته يقول مازن: "نحن هنا لنعيد تعريف الأشياء من جديد، عابث من يفعل غير ذلك"، إنها دعوة للتحرر من المعطى،  للتساؤل عنه واخضاعه لمتغيرات الزمان والمكان، إنها دعوة لإبداع المفاهيم. ويقول عن تويتر: "تويتر يصلح ما أفسدته وزارات التعليم والإعلام العربية في عقولنا. والعلاج بسيط وسهل: الوضوح والصدق". وهل يفسد العقل إلا التقليد، وغياب السؤال ورفض الحوار، والتسليم بوصفات جاهزة تؤمن له اليقين المطلق؟

إن إحدى وظائف الفن والأدب هي الحفاظ على إثارة المتلقي وجذب انتباهه وذلك بتقديم التنوع والابداع واعتماد عنصر المفاجأة. وبما أننا نعيش في عصر السرعة، والسرعة لدى الإنسان تعني الانتهاء، وكلما بعُد الانتهاء قَرُب السأم منه، لذا فإن إنسان السرعة يفضل من الأدب القصة القصيرة والقصيدة ذات البيتين أو الثلاثة، والشذرة التي تجمع شتاته في كلمات.
 ومن شذراته:
- "خذني معك
كلمة تكفي لإقامة دولة عليها ، وليست قصيدة"
- "طالما أن الحمقى بخير لن يشقى كتاب الأدب الساخر"
- "كل شريعة راضية عن حكامها إلى درجة إنكار الذات"
- "لا تبحث عن جنة في السماء وأنت لم تترك واحدة مثلها على الأرض"
- "الوحدة : شرفة تطل على الداخل" 

ومازن "المغرد الشذري" صديق المجتمع الذي لا يداهنه ولا يهرب منه إلا إليه، كما تعلن عن ذلك تغريداته، فتجده تارة يكشف ما يتعرض له المجتمع من ظلم واستغلال، وتجده تارة أخرى يواجه المجتمع بكشف عاداته وممارساته الظالمة بكل وضوح، ولهذا تجده يهتم بمواضيع مثل اضطهاد المرأة في المجتمع الذكوري أحادي التكوين، والتأكيد على حرية الرأي والتعبير، وموضوعات الأخلاق والتربية والتعليم والدين والفن والسياسة. وما اهتمامه بهذه الموضوعات إلا نتيجة وعيه بالواقع المعاش وما وصلت إليه الحال من تقهقر وانحطاط من جهة، ومن جهة أخرى هو نتيجة شعوره بالمسؤولية إزاء مجتمعه، فمثلا يقول:
- "تعيش المرأة العربية حياتها وتتصرف على أنها لص أو جندي هارب
مع أن كل ما تفعله طبيعي لكن طبيعة الرجل العربي اضطرتها لذلك
المرأة عدوة نفسها"
- "‏لن يتحسن العالم العربي إلا حين تحصل المرأة على كل حقوقها"
- "ارتفاع الوعي عند النساء يضمن تربية جيل أفضل
وأكثر إزعاجا للمنتفعين والفاسدين والخونة"
- "يكفي أن تربي ولدك على الشجاعة والصدق لتبني وطنا"
- "‏درسوا أطفالكم عبقرية العلوم والفنون والأدب وكيف أسهمت في صنع الحضارة 
وتذكروا أن التعليم الجيد لن يثمر في أسرة ضائعة"
- "‏لا يوجد جيل جيد في الدين وضعيف في الإملاء والفلسفة والنحو والأدب والرياضيات
إما أن يكون التعليم جيدا في جميع شؤونه أو كالحذاء القديم المثقوب"
- "إن من يدعو إلى الله لن يشتم أحدا. سمعت طفلا صغيرا يقول ذلك"
- "لا تستهن بفساد وظيفي أو أخلاقي بسيط  فالأخلاق تنهار تباعا كأحجار الدومينو"
- "كيف تريدني أن أفكر في الجنة اللامحدودة بحدود العقل والأدب والعرف ؟"
وقد تكون تغريدته عل شكل تساؤل ليتفاعل معه متابعوه: ‏"‏هل تخشى من التعبير عن رأيك في مواقع التواصل؟"

وقد يستخدم الرمزية أحيانا: "لحية المجتمع الكثة هي السبب دائما في حجب أشعة الشمس عنه".

وفي أدب القصة القصيرة جدا تتضح حساسية مازن الأدبية والجمالية، وخياله الإبداعي في إلتقاط الصورة. وهنا أيضا تطفو سخريته على السطح، والتي تتمثل في تصوير سلوك أو شخصيات من الواقع، ومنها:
- "صلى الظهر وعاد إلى مكتبه لا شيء على جدول أعمال معاليه في العشر الدقائق القادمة اِلتقط مسبحته الأنيقة وراح يسبح باسم الحاكم"
- "ذهبَ ليساعد جارته في إصلاح سريرها شبه المكسور ، فكسراه"

أما أبياته التي لن أطيل الحديث عنها، فأختار منها:
عند جمالك ِ
تقف الأرض ثمان ليالٍ
تغرق سبع بحور فيهِ
قد خدعوك
فمن سيصوّر بالكلمات
وبالألوان ؟
كذبَ الشاعرُ
والرسّام
وله أيضا:
كان يقيني 
أنّ البحر حين يلامس قدميها
لن يتوضأ طيلة هذا العام 
وستنسيه صلاة الشكر
صلاة الفجر
وله أيضا:
يا ربّ إِنَّ حبيبتي تلهو = في حين قلب مُحبّها أعمَى
فامنحني اللهمّ غيرهما = وابعثْ لقلبي مثلها حُمّى

وختاما، ما كانت التغريدات وحدها لتعرفنا حقيقة المغرد الشذري "مازن"، ولكن الذي قد نتفق عليه أن تغريداته توضح لنا الكثير من آرائه وتوجهاته، كما أنها تكشف لنا عن فكره واتجاهاته، وتبين لنا مدى ثقافته واطلاعه. 
بعد الختام:
- إن الذي يحاول حجب الشمس بيديه، لن يحجبها إلا عن عينيه.**
*****
https://twitter.com/abulmozn

** إن الذي يحاول حجب الشمس بيديه (التي اعتادت الشحاذة)، لن يحجبها إلا عن عينيه (إن كانتا تبصر).

السبت، 24 ديسمبر 2016

عجبٌ أمركم أيها المسلمون المؤمنون!

عجبٌ أمركم أيها المسلمون المؤمنون!
عجبٌ حالكم الذي تعيشون!
عجبٌ ما يُصنع بكم وما تصنعون!
أأنتم مخدرون؟ منومون؟ معزولون؟
بربكم! ألا تتفكرون؟!
أم زُيّنت لكم أعمالكم فأنتم تعمهون؟!

كتابكم واحد، فلمَ أنتم مختلفون؟!
لمَ لا تحتكمون إليه فترتاحون وتريّحون؟!
لمَ أنتم عن كتابكم عازفون؟
وإلى غيره تحتكمون؟!
أفيه نقصٌ فأنتم إليه حديثا تضيفون؟
أم فيه زيادة فأنتم من آياته تنسخون؟

لمَ أنتم للحي لا تمتثلون؟
أم أنكم من الأموات تخافون؟
إنهم بشر مثلكم، فلمَ تُقدسون؟
أوليسوا يصيبون ويخطئون؟!
فلمَ بين كلام الله وبين كلامهم تساوون؟

ما بكم عن واقعكم غافلون؟!
أم أعمتكم مصالح الدنيا فأنتم الحقَّ لا تبصرون؟!
إنكم وراء المصلحة تلهثون!
لا تعتذروا اليوم، فأنتم غير أنفسكم لا تعبدون!
سواء أقررتم بهذا أم كنتم له جاحدون!!
غرتكم الحياة الدنيا وما تشعرون!

ثم ما مصيركم الذي تتوقعون؟
ألا ترون أنكم للموت ذاهبون؟!
وإلى المقابر جماعات تساقون؟
"ما لكم كيف تحكمون"؟

أتبصرون؟
أتسمعون؟
أتعقلون؟
أكرر: أتعقلون؟!
للمرة الثالثة: أتعقلون؟!!

خاتمة:
- الحياة لا تعبأ بالحمقى!

الجمعة، 16 ديسمبر 2016

رسالة من أوزبك إلى حسن درويش بجبل مارون

أيها الدرويش الحكيم ذو العقل المتأمل، المضيء بالمعارف الكثيرة، استمع لما أقصه عليك: هناك فلاسفة لا يصِلون - في الواقع - إلى ذروة التفكير الشرقي، ولا ينجذبون إلى العرش المنير ليستمعوا إلى تسبيح الملائكة الذي يرنّ في الملأ الأعلى، ولا يدركون غضب الجبار، وهم موكولون إلى أنفسهم، محرومون من الألطاف الإلهية، ويتبعون في صمت نتائج التفكير الإنساني.

إنك لا تتصور إلى أي مدى يقودهم هذا القائد (العقل البشري)، إنهم كشفوا الفضاء، وشرحوا بالميكانيكا البسيطة نظام الهندسة الإلهية. وأن خالق الكون أعطى المادة حركتها، فلم تعد ضرورة إلى شيء أكثر من هذا لينشأ هذا التنوع العجيب للآثار التي نراها في العالم.

إن المشترعين العاديين يقدمون لنا قوانين تنظيم المجتمع الإنساني؛ قوانين تتعرض للتغيير، كتغير العقول التي تقترحها، والشعوب التي تتبعها. وهولاء الشرقيون لا يحدثوننا إلا  عن القوانين العامة الثابتة الدائمة التي ترعى دون أي إستثناء، وتمضي في نظام وثبات وسرعة لا حد لها في الأكوان العظيمة الفسيحة.

وما تظن أن تكون هذه القوانين يا ولي الله؟ ستتخيل أنك داخل في الملأ الأعلى وسيملكك العجب من لطف التدبير وسموه. وستأبى - قبل كل شي - أن تفهم، ولن يكون منك إلا الإعجاب.

ولكنك من فورك ستغير رأيك: فكل ما ترى من الأشياء لا يبهرك مطلقا بجلال زائف. بل إن البساطة جعلتها غير معروفة أمدا طويلا، ولم يعرف مدى سعتها وخصبها إلا بعد تفكير عميق؛ فأول حقيقة هي أن كل جسم يأخذ في رسم خط مستقيم ما لم يقابل عقبة تعترضه فترده. والثانية، وما هي إلا متممة للأولى، هي أن كل جسم يدور حول مركز يأخذ في البعد عنه، لأنه كلما ابتعد الخط المرسوم عن المركز كان أقرب إلى الخط المستقيم.

هاك أيها الدرويش السامي مفتاح الطبيعة! وهاك الأسس الخصبة التي تستنبط منها نتائج بعيده المدى كما سأريك في رسالة خاصة.

إن معرفة خمس حقائق أو ست جعلت فلسفتهم ملأى بالمعجزات، وجعلتهم يأتون بالعجائب والغرائب كالتي نرويها عن أنبيائنا عليهم السلام.

ولأنني أخيرا متأكد من أنه لا يوجد بين علمائنا من لا يرتبك إذا طولب بأن يزن في ميزان كل الهواء الذي يحيط بالأرض، ويقيس جميع المياه التي تسقط كل سنة على سطحها. كما لا يوجد من بينهم من لا يفكر أكثر من أربع مرات قبل أن يقول: كم فرسخا يقطعها الصوت في الساعة، وكم من الزمن يحتاج إليه شعاع الشمس ليصل إلينا، وكم طول المسافة بيننا وبين زحل، وأي انحناء يكون في مركب شراعي أفضل ما يكون؟

ولعل بعض الأتقياء إذا جمّل كتب هؤلاء الفلاسفة بكلمات سامية رفيعة، ومزجوها بمجازات جريئة، وكنايات لطيفة، فإنه بذلك يعد كتابا جميلا، لا يعترف بالتفوق عليه إلا للكتاب المقدس.

مونتسكيو - من باريس في 15 شعبان 1716
شارل لوي دي سيكوندا المعروف باسم مونتسكيو  Montesquieu، فيلسوف فرنسي صاحب نظرية فصل السلطات الذي تعتمده غالبية الأنظمة حاليا.

الجمعة، 9 ديسمبر 2016

الحب الحقيقي

"إن الحب هو اتحاد المرء مع شخص آخر، خارجه، على شرط إبقائه على انفصال ذاته وسلامتها. إنه تجربة المشاركة والاشتراك، التي تسمح بالتفتح الكامل لنشاط الإنسان الداخلي" .. إريك فروم 

لقد ساد اعتقاد (خاطئ) بأن الحب بين الزوجين هو نتيجة الاشباع الجنسي، وأن معرفة التكنيك الجنسي الصحيح يفضي إلى السعادة الجنسية والحب. وهذه الفكرة المغلوطة كانت نتيجة التحليل النفسي المتأثر بنظريات سيجموند فرويد. فالحب بالنسبة إلى فرويد هو في ماهيته رغبة جنسية. وقد تأثر فرويد بالفلسفة المادية في القرن التاسع عشر، والتي زعمت أن الظواهر النفسية لا بد أن تكون مترسخة في عمليات فسيولوجية تناظرها. لذا اعتقد فرويد أنه عثر على الأساس الفسيولوجي للعاطفة البشرية (الحب، الكراهية، الغيرة، .. إلخ) في الليبيدو أي في الغريزة الجنسية.

وأما عالم النفس الإنساني إريك فروم فيرى أن حاجات الإنسان وعواطفه تكمن في شمولية الوجود الإنساني. وتلك الحاجات التي يشترك فيها مع الحيوان مثل الأكل والشرب والنوم والاشباع الجنسي مهمة، ولكن اشباعها ليس شرطا كافيا لسلامة العقل والصحة الذهنية


وتعتمد سلامة العقل والصحة الذهنية للإنسان على إشباع الحاجات والعواطف الخاصة بالجنس البشري دون غيره، والتي تنشأ من شروط الوجود الإنساني، وهي تكمن في الحاجة إلى التواصل، والتجاوز، الترسخ، الحاجة إلى الإحساس بالهوية، والحاجة إلى إطار للتوجه والإخلاص. ولهذا فإن عواطف الإنسان الكبيرة، واشتهاءه للسلطة وغروره، وبحثه عن الحقيقة، وشغفه بالحب والأخوة، وتدميريته وكذلك إبداعيته، إن كل رغبة قوية تحرض أعمال الإنسان هي راسخة الجذور في هذا المصدر البشري وليس في مراحل الليبيدو المتنوعة عنده كما افترض تأويل فرويد.


إن الحب لا يكون ممكنا إلا إذا تواصل شخصان معا من مركز وجودهما، ومن ثم إذا عاش كل منهما بنفسه من مركز وجوده. في هذه "الإعاشة المركزية" تكمن الحقيقة الإنسانية، وهنا فقط يوجد أساس الحب. والحب معاشا على هذا النحو، هو تحدّ دائم. إنه ليس مستقرا للراحة، بل هو تحرك ونمو وعمل مشترك. حتى إذا كان هناك تناغم أو كان هناك صراع، إذا كان هناك فرح أو كان هناك حزن، فهي مسألة ثانوية بالنسبة للحقيقة الأساسية. إن شخصين يعيشان نفسيهما من ماهية وجودهما، إنهما يكونان واحدا كل منهما بالنسبة للآخر، عن طريق أن يصبحا واحدا مع نفسيهما بدلا من الهرب من نفسيهماولهذا فإن في الحب يمكن تحقيق الاندماج مع شخص آخر، ويمكن قهر الشعور بالعزلة. كما أن الزوجين يشتركان في العطاء، حيث يعطي كل منهما الآخر، وبهذا العطاء يقهران النزوع إلى الأنانية (النرجسية) والتبعية واستغلال الآخر.


وإذ يؤكد فروم على أن الحب فعل للإرادة والالتزام، فإنه لا يرى أهمية ما إذا كان الزواج بين الشريكين كان من ترتيب الآخرين أو نتيجة الاختيار الفردي، لأنه إذا ما تم الزواج، فيجب على فعل الإرادة أن يضمن استمرار الحب. وهذا هو الأساس المنطقي وراء العديد من أشكال الزواج التقليدي الذي لا يختار فيه الشريكان بعضهما، ولكن جرى اختيارهما لبعضهما، ومع هذا يجري التوقع أن يحبا بعضهما.

ومن وجهة نظر التحليل النفسي فإن البريطانية جوان ريفيير* تقول: إن ما نسميه الحب الحقيقي هو حالة يمتزج فيها عاملان: الحب والرغبة الجنسية، ولا يشكلان سوى عامل واحد، هذه الحالة تنجم عن واقع مفاده كمال الحب لدى الرجل والمرأة، الذي يمكّنه (أي الحب) أن يشبع الرغبات المتبادلة ويرضيها. والحب المتبادل يكوّن ضمانا مضاعفا بالنسبة لكل شريك من الشريكين. فحب الآخر، إذا انضاف إلى حب الفرد نفسه، يضاعف احتياطات الحب والهناء، وبالتالي يضاعف احتياطات الضمان ضد الألم ونزعة التدمير والتعاسة الداخلية. يضاف إلى ذلك أن كل شريك من الشريكين يجدد الرغبة الجنسية لدى الآخر بفعل ما يؤمّنه من إشباع للحاجات الجنسية، وهذه الرغبة الجنسية، وهي ألمٌ كامن ومصدر نزعة التدمير، تصبح لذة مطلقة ومصدر الهناء.

وخلاصة القول أن الحب الحقيقي بين الزوجين هو إيمان كل واحد منهما بنفسه وثقته بالآخر على قدرته على الحب، وهو نشاط وسعي للاندماج الكامل، للاتحاد مع بعضهما؛ ينتج عنه إشباع الرغبات المتبادلة والسعادة، وهو كذلك تجربة أن يصيرا شخصا واحدا ويظلان شخصين في الوقت ذاته؛ فينتج عنه الاهتمام والمسؤولية والاحترام**، وهو أيضا فعلٌ للإرادة بأن يحبّ كل منهما الآخر؛ والالتزام بأن يستمر الحب بينهما وهذا يعني استمرار حياتهما الزوجية. 

وفي الختام نتذكر ما قاله الشاعر الروسي بوشكين:
حيث لا حب، لا يُعرف المرح
وتافهة هي الحياة؛ ولا تحمل أية متعة 
********
* جوان ريفيير (1883 - 1962) ساهمت في التحليل النفسي خاصة المدرسة البريطانية.
** الاحترام (وفقا لجذر الكلمة Respicere = التطلع إلى) يعني أن انظر إلى الآخر كما هو، موضوعيا، لا تحرفه رغباتي ومخاوفي. كما أن الاحترام يعني الاهتمام بأن الشخص الآخر إنما ينمو ويتكشف على نحو ما هو عليه. وهكذا يتضمن الاحترام عدم وجود الاستغلال.
==========
المراجع 
  1. إريك فروم، فن الحب، ت. مجاهد عبد المنعم مجاهد، دار العودة، بيروت، لبنان، 2000م.
  2. ميلاني كلاين وجون ريفيير، الحب والكراهية، ت. وجيه أسعد، دار البشائر للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، سوريا، 1993م.