السبت، 24 مارس 2018

دردشة مع الأديب نجيب سرور


صادفت الأديب الكبير نجيب سرور، أستاذ الأدب والفن والمسرح .. الأديب الشاعر والمسرحي الكاتب والمخرج والممثل .. الفنان والناقد والثائر والمتمرد. وقد عبرت له عن رغبتي في أن أعرف منه رأيه في موضوعات تخص الأدب والفن، فبدأنا بالشعر .. أوليس في البدء كانت الكلمة ؟! .. وبين المستهل والختام .. كلمات ضاق بها المقام .. وكما لا نحب إطالة الكلام .. حتى لو هدف إلى التمام .. فإنه لا يصح أن نضع الكمام .. إذ الحديث جدّ هام .. ولا أن نصم الآذان .. حتى لا يصيبنا الخرس ! .. بادرته - كما يحب - بلا شكليات:

أنا: ما الشعر ؟
سرور: الشعر .. إعلان عن تناقض يقوم عليه بناء اجتماعي.

أنا: الشعر إعلان ! هل لك أن توضح أكثر ؟
سرور: الشعر تأكيد وتجسيد لتناقض صادرين عن وعي يقظ للواقع .. وتعبير عن حاجة عامة لا عن حاجة فردية .. وتعبير عن حاجة إنسانية بمعنى الكلمة الراقي لا عن حاجة فطرية .. فالشعر عملية ذهنية شاقة في بناء المضمون والشكل على السواء .. وهو رؤى يكمن وراءها التلقي والتمثل والفهم والمعرفة للعالمين الطبيعي والاجتماعي .. والشعر كما قال أبو تمام صوت العقل.
"العالم فوق الشعراء ..
فليعل الشعر إلى العالم
أو فلنصمت !!"

أنا: إذن الشعر صرخة تعبر عن حاجة إنسانية، تصدر عن وعي بالواقع الاجتماعي، صرخة ملؤها الوعي، وعي الفرد بنفسه وبمجتمعه وبعصره وبدوره التاريخي وبالعالم المحيط به، والشعر يعري الواقع وينأى عن "الأنا" المنتفخة التافهة، فكيف تفسر إذن المديح والهجاء والفخر؟!
سرور: نعم .. إن أعذب الشعر أصدقه .. لذا يجب أن يقف الشاعر إلى جانب الواقعية والعقلانية والصدق في الشعر .. أما من يكتب الآن في أنماط الشعر الميتة المتعفنة كالمديح والهجاء والفخر .. فإنه ميت يضاف إلى الموميات ! إنها جميعا أشكال شعرية من نتاج مجتمعات معينة. فالمديح لا يعيش إلا في مجتمعات الملق والرياء والتزلف والتمسح .. مجتمعات تحيا على المتناقضات: (الغنى والفقر، الألوهية والعبودية، الجاه والهون، القوة والضعف، الخ) .. وفي هذه المجتمعات يعيش الهجاء فهو لا يقوم على غير الحقد والحسد والضغينة – الافراز الطبيعي لمجتمع المتناقضات – التي تعمل مثل هذه المجتمعات على تغذيتها في نفس كل فرد من أفرادها .. وفي نفس هذه المجتمعات يعيش الفخر .. لينبع الفخر من مراحيض "الأنا" التي لا تعبد إلا ذاتها ولا تتصل بالآخرين إلا من خلال التعالي والفوقية مرتسمة على ملامحها علامات التأنف والاشمئزاز من الآخرين.
"لا يضير الشعر أن يصبح خبزا للجياع ،
لكن يضار الشعر أن أصبح فأرا في المجاعة !"

أنا: إذن، المجتمع المريض يفرز شعرا مريضا، فما تقول في مَن يعقد الصلة بين المرض والفقر والألم من جهة والإبداع والعبقرية في الجهة المقابلة ؟
سرور: (تنهيدة) لا يزال من المثقفين عندنا من يؤكدون لزوم الفقر لإمكان وجود العبقرية ولزوم الألم لإمكان الإبداع .. ولم يخطر لهم أن يسألوا أنفسهم في مقابل العبقري الذي ظهر وأفلت من الفقر .. كم من العباقرة قتلهم الفقر ؟!! .. ثم هذا الربط بين الفن والجنون .. بين الفن والمرض هو النهاية المحتومة لخط أيديولوجي معين. فمنتوجات المرض هي الفن المريض .. أما منتوجات الجنون فهي شيء يجلب للناس الجنون ويعمل على إشاعته .. أما نحن فنقول إن الفنان هو أكثر الناس حساسية وسلامة عقل وسواء نفس.

أنا: "الفن" .. "الشعر" .. هذا يذكرنا بكتاب أرسطو "فن الشعر" .. ما الذي استوقفك في هذا الكتاب ؟!
سرور: إن أخطر ما في كتاب أرسطو هو المعنى الذي يقف وراء مصطلحي: التطهير والمحاكاة .. ثم تأتي تلميحاته وألغامه وألغازه المنتشرة في صفحاته؛ مثل قوله: إن قوة المأساة تظل من غير مشاهدين ومن غير ممثلين. وكذلك قوله: إن مهمة الشاعر الحقيقية ليست في رواية الأمور كما وقعت فعلا، بل رواية ما يمكن أن يقع.

أنا: "الشعر" و "الرواية" .. هل هناك علاقة بين الشعر والتاريخ ؟!
سرور: ذكر أرسطو في كتابه السابق العلاقة بين الشعر والتاريخ، إذ قال: "إن الشعر أوفر حظا من الفلسفة، وأسمى مقاما من التاريخ". وهذا يعني أن مضمون العمل الشعري يحتوي على عناصر تاريخية، دون أن يصبح هو مجرد تاريخ. أو لنقل إن الشاعر يقوم بدور المؤرخ، ولكن بطريقته ووسائله وأدواته الخاصة.

أنا: التاريخ والشعر، ماذا عن نسبة الشعر العربي إلى إبليس من قبل أبي العلاء المعري (أو كما سميته أنت مرة أبي العلاء المصري!) ؟
سرور: إن نسبة الشعر العربي إلى إبليس وجنوده تشكيك ما بعده تشكيك في التراث الشعري كله. ألم تسمع قول أبي العلاء المعري:
وكيف أرجي من زماني زيادة
وقد حذف الأصلي حذف الزوائد

وقوله:
تلوا باطلا وجلوا صارما
وقالوا صدقنا فقلنا نعم

ولك أن تقرأ حديث ابن القارح مع حمزة بن عبد المطلب في رسالة الغفران .. بل يجب أن تقرأ رسالة الغفران، حتى تفهم أن الشك هو الشيء الوحيد الذي لا شك فيه !

"غلب المَيْن مذ كان على الخلق وماتت بغيظها الحكماء"

أنا: فما تظن بالأدب الشعبي: ألف ليلة وليلة والزير وعنترة والملك القاهر والملك سيف بن ذي يزن وغيرها ؟
سرور: هذه أقاصيص مما يوسم خطأ بالشعبية ! لأنها ظهرت مع ظهور محترفي الأدب الذين انفصلوا عن الجماهير العاملة وارتبطوا بالطبقة الحاكمة فعبروا من خلال هذه الأقاصيص عن الأفكار والمفاهيم التي يراد لها أن ترسخ في أذهان المحكومين .. إذن في الأدب الشعبي نوعين من الأدب .. أولهما أدب السلطة وهو يعبر عن حياة السادة ويشبع نزوعهم إلى الترف والمتعة، ثم هو يبرر هذه الحياة ويحميها، وأديب السلطة يسميه الشعب بـ "الأدباتي" .. والنوع الثاني في الأدب الشعبي هو أدب المسودين الذي يعبر عن حياتهم ويتمرد على السادة وعلى التمايز والتصاعدية. 

أنا: وماذا عن المثقفين العرب ؟
سرور: يجب على المثقف العربي أن يفرق بين ثقافة الكلمات المتقاطعة والثقافة الحقيقية كنظرية ومنهج ورؤية على المستويين الوجداني والعقلي. ويجب أن يكف المثقفون الجهلاء عن لعبة التبعية أو لعبة الخيانة أو لعبة الوصاية والولاية أو لعبة السمسرة واستعرض العضلات الثقافية، وأن يقرأوا كثيرا، ولكن الأهم من ذلك أن يفهموا كثيرا مما يقرأون كما قلت للمرة المليون !

أنا: إذن، ينقص مثقفونا القراءة والفهم وما ينتج عن ذلك من وعي، والوعي كما تقول أيها النجيب بناء يحتاج لنظرية أو منهج يتبعه السائر في طريق الثقافة، فهل هذا يكفي ؟
سرور: إن ثقافة الكاتب أصبحت اليوم تقاس بدرجة وعيه بالارتباط العضوي بين الظاهرة ومجالها الإجتماعي لكي يمكن أن تكون الثقافة حالة حيوية حركية متطورة لا سكونية جامدة تعتمد على آلاف المجلدات المرصوصة على الرفوف.

أنا: سؤال خارج الأدب والفن والمسرح ! هل ما زلت تؤمن بنظرية المؤامرة ؟ وإن كنتَ كذلك؛ فعلى من تحاك هذه المؤامرة .. على الشعراء .. أم على العرب .. أم عليك أنت ؟!
سرور: إن هذا السؤال في صلب الموضوع الذي نتحدث فيه .. بل إن التماس إجابة هذا السؤال يترتب عليه فهم ما وصلنا إليه اليوم وما أريد ويراد لنا وفي أي درب نسير. إن الحرب على الشعر والشعراء - صوت الشعوب - قديمة قدم السلطة .. قدم الطبقية في المجتمع ! وهي قديمة على العرب تمتد إلى تنظيم أول محفل يهودي صهيوني ماسوني في بابل وآشور حتى لقاءنا هذا. أما أنا فانظر إلى كتبي ! .. كم المطبوع منها ؟ .. كم المنشور منها على الأرفف وفي الانترنت ؟ .. كم الذين يقرأونها ؟ .. ثم كم من الذين يقرأونها ينشرونها ؟!

أنا: بما أنها مؤامرة فهي خفية إلا على ذوي الأبصار، ولكن حتى الذين ينكرونها لا يملكون تفسيرا آخر لما حدث ويحدث للعالم العربي ! هل من شيء عالق في ذاكرتك ؟
سرور: أربع صور:

الأولى: لافتة علقها أحد أصحاب المطاعم بالقاهرة كتب عليها: "يا ربّ .. كفاني عزا أن أكون لك عبدا"  

الثانية: يقول أبو العلاء المعري:
إنما هذه المذاهب أسباب لجلب الدنيا إلى الرؤساء

الثالثة: يقول بايرون: "الحرب مقدسة فقط إذا كانت من أجل الحرية، أما عندما تكون مجرد ثمرة للطموح؛ فمن ذا الذي لا يسميها جزارة ؟!"

الرابعة:  
"والناس من هول الحياة .. 
موتى على قيد الحياة !"

أنا: هل ما زلت يائسا من الواقع العربي ؟
سرور: أنا يائس إلا من رحمة الله .. و "إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر !!

أنا: كلمة قبل أن ننتقل إلى الفنان المسرحي نجيب سرور.
سرور: مهمة شاقة تلك مهمة الشاعر، مهمة أشق مهمة الشاعر الضمير، ومهمة أكثر مشقة مهمة الشاعر الضمير للشعب، ومهمة تتجاوز حدود الاحتمال تلك مهمة الشاعر الضمير للشعب وللعصر وللإنسانية .. وعلى الشعراء أن يكونوا - بتعبير شكسبير - "خلاصة تاريخ العصر" لا أن يصيروا "نفاية تاريخ العصر" !!
***

الأربعاء، 7 مارس 2018

طلقة بوشكين


كل المنسوب إلى الصدف مدبر ..
كي يبدو من فعل الصدفة ..
- نجيب سرور

يحدث أن ينظر المرء إلى واقعه بعين خياله فيعكس الواقع في مرآة الفن أو الأدب، ليقدم تحفة فنية أو عملا أدبيا خالدا .. يحدث هذا، لكن أن يذهب المرء بخياله إلى مستقبله الذي سيكون واقعه في قادم الأيام؛ فهذا ما تقوله لنا أحداث حياة أمير الشعراء الروس ألكسندر سيرغيفيتش بوشكين.


ولد ألكسندر بوشكين في 26 أيار 1799، درس في المدرسة الليسيه وتخرج منها عام 1817، نظم خلال دراسته قصائد تعبر عن الحب والصداقة والإخلاص وكتب قصائد وطنية. ولا شك أنه تأثر بالحرب الروسية — الفرنسية التي امتدت ما بين عامي 1805 - 1814، والتي استطاع خلالها نابليون بونابرت احتلال موسكو عام 1812.


في عام 1818 نظم بوشكين قصيدة "الحرية"، الحرية التي كان الشعب الروسي يناضل من أجلها، يقول فيها:

ألا ابتعدي عن طريقي
يا ربة الأوتار الخافتة
أين أنتِ، أين أنت أيتها العاصفة الرجولية
يا مغنية الحرية الفخورة ؟
اقتربي ومزقي اكليلي
وحطمي قيثارتي الناعمة
أريد أن أتغنى الحرية الإنسانية
وأفضح الرذيلة في عروشها

ومن ثم نظم قصيدة "إلى تشادييف"، والتي يرى فيها أن الحرية تؤخذ ولا تعطى، تؤخذ بدماء أبناء الشعب المخلصين في سبيل مقاومة الطغاة الظالمين. وبعد ذلك نظم بوشكين قصيدة "القرية" 1819، والتي يقول فيها:

أتراني أرى شعبنا، يا أصدقائي، وقد تحرر
من جور العبودية بأمر من القيصر ؟
أولم يحنْ لفجر الحرية الوطيئة الرائع
أن يشرق على وطننا أخيرا ؟


بدأت كلمات بوشكين تجد صدى في قلوب الناس، وتلقى استجابة واستحسانا بين الشباب، الذين أصبحوا يرددون أشعاره، ولما أن عرف القيصر ألكسندر الأول بهذه القصائد، حتى قرر نفي بوشكين، ذلك أن أكثر ما يخافه الطغاة هو ذا: وعي المجتمع بالحرية والعدالة الاجتماعية وإدراك أفراده للظلم الواقع عليهم. لقد نفي بوشكين "ابن الحظ البائس المنبوذ" إلى الجنوب 1820، حتى يظل صوت الشعب بعيدا عن مسامعهم. 

نُفي بوشكين — ودائما ما يدفع الإنسان الثمن ! — وما إن وصل إلى منفاه حتى مرض، فنقل إلى القرم، وهناك حيث لا يجرؤ على المغامرة سوى الرياح وبوشكين، نظم قصيدة "الخنجر" والتي نادى فيها بضرورة الثورة الدموية على الأوضاع البائسة، ولعله كان متأثرا بأفكار الديسمبريين.


نظم بوشكين قصيدة "نافورة باختشي ساراي" متأثرا بجمال طبيعة القرم. انتقل إلى أوديسا 1823، وهناك أكمل الفصول الثلاثة الأولى من قصيدته الشهيرة "يفغيني أونيغين"، قبل أن يأمر ألكسندر الأول بنفيه إلى ميخايلوفسكي، حيث "كل شيء هادئ" نعمَ فيها بحياة هادئة، استزاد من القراءة و أكثر على الحكايات الشعبية. "مباركٌ، مَن في وحدته .. حفظ أجمل مخلوقاتها". وفي منفاه الجديد، نظم قصيدة "الغجر"، وتراجيديا "بوريس غودونوف" الشعبية، التي قرر فيها أن الشعب هو الذي يصنع التاريخ وليس الأفراد (وما الابتعاث منا ببعيد!). كما نظم تسع قصائد عنونها بـ "قبسات من القرآن".


في ديسمبر 1825، قامت حركة الديسمبريين، أي بعد وفاة ألكسندر الأول وقبل تتويج نيقولا الأول، إلا أنها باءت بالفشل. تردد القيصر الجديد في أمر بوشكين، فأرسل من يتجسس أحواله! كتب رجل البوليس في تقريره أن الشاعر يعيش حياة هادئة ويقترب كثيرا من الفقراء، ولا يوجد دليل على تمرده. بعد هزيمة أصدقائه الديسمبريين، توصل بوشكين إلى قناعة مفادها أن الاصلاح يجب أن يكون بطريقة سلمية.


في عام 1831 ترى روايته الشعرية "يفغيني أونيغين" النور، وقد استغرقت ثماني سنوات. بعد ذلك كتب بوشكين تراجيديا موتسارت وساليري وتراجيديا الضيف الحجري. يقول بوشكين في "يفغيني أونيغين":

من عاش وفكر لا بد
أن يحتقر الناس في قرارة نفسه
ومن كان ذا إحساس لا بد
أن يقلقه شبح الأيام التي لن تعود،
لا بد أن يعزف عن المباهج،
لا بد أن تلسعه أفعى الذكريات
وأن يتآكله الندم ..

نشر بوشكين مجموعة قصص عام 1831، أي في العام الذي تزوج فيه بالسيدة الجميلة ناتاليا جونشاروفا. في قصة "الطلقة"، كتب بوشكين عن مبارزة بين اثنين من أفراد الجيش الروسي، أحدهما سيلفيو والآخر هو الكونت. وقد كانت المبارزة في القرن التاسع عشر عن طريق إطلاق النار! في اللقاء الأول بينهما، أخطأ الكونت التصويب، فبدلا من سيلفيو أصاب قبعته. جاء دور سيلفيو، وعندما همّ بإطلاق النار، كان خصمه (الكونت) غير مبالٍ بحياته، حيث كان يأكل الكرز لافظا النوى باتجاه سيلفيو، أنزل المسدس، وقال للشهود: لا أنوي إطلاق النار اليوم! استقال سيلفيو من الخدمة، وهجر البلدة. تمضي خمس سنوات قبل أن يأتي سيلفيو خبر زواج الكونت من حبيبته، إنها فرصة سيلفيو للانتقام، لرد الشرف. يذهب سيلفيو لمقابلة غريمه، ويفاجأ الكونت بسيلفيو أمامه! أعطى سيلفيو الكونت فرصة ثانية لإطلاق النار أولا، وللمرة الثانية يخطئ الكونت الهدف!  

إن كان الكونت قد أخطأ سيلفيو وأصاب قبعته، فإنه من غير المتوقع أبدا أن يخطئ سيلفيو إصابة الكونت، فقد كان يتدرب يوميا على إطلاق الرصاص طيلة الخمس سنوات، لكن سيلفيو لم يكن هدفه أن يقتل الكونت! فعندما سأله الكونت: هل ستطلق النار أم لا؟ وكانت زوجته تتوسل سيلفيو أن لا يصوب زوجها .. أجاب سيلفيو: لا ، لن أطلق. لقد رأيت اضطرابك ووجلك، وهذا يكفي. ستتذكرني، واتركك لضميرك !!


لا شك أن سيلفيو شعر بعدها بالارتياح، ولكن ما مغزى ذكر هذه القصة بالذات؟! هل كانت الأقدار حبلى بمصيرٍ لبوشكين يماثل مصير إحدى شخصيات قصته ؟!


اعتبرت الحكومة القيصرية أن أشعار بوشكين لعبت دورا تحريضيا في الحركة الديسمبرية، لذا استدعى القيصر نيقولا الأول بوشكين، وسأله عما كان سيفعله فيما لو كان موجودا في سانت بطرسبورغ في 14 ديسمبر، فأجاب بوشكين: "كنت انضممت إلى صفوف المتمردين!" أعلن القيصر أنه شخصيا سيشرف على مراجعة أعماله قبل نشرها! ظلت علاقة بوشكين والقيصر في حالة توتر (توتر بين فعل الاستبداد وصوت الحرية)، وباتت كتاباته خاضعة لرقابة خانقة، إضافة إلى هجوم النقاد والصحافة الخاضعة للحكومة عليه، مع ما كان يقابله من عداء من جانب رجال البلاط. عشية رأس سنة 1834، منح القيصر بوشكين لقب نبيل مما أثار غضبه واستياءه، فهذا لقب يمنح للصغار، ثم أن هذا اللقب سيجعله يتردد على الحفلات الرسمية ليس بمفرده بل مع زوجته الجميلة، التي تحب الرقص والحفلات !! .. وهذا مما زاد حمل النفقات عليه، كذلك مُنع من قراءة أعماله الجديدة على أي شخص قبل مرورها على الرقابة، ومن أعماله التي كتبها بعد زواجه روايتي "دوبروفسكي" و "ابنة الآمر"؛ ومسرحيات تراجيدية قصيرة مثل مسرحية "الفارس البخيل"، كما نظم قصيدة "الفارس البرونزي"، القصيدة التي لم يسمح القيصر بطباعتها ! .. هكذا يتم اغتيال الأحرار معنويا. لقد ضيقت القيصرية الخناق عليه، ومما زاد الأمر سوءا؛ انتشار شائعات بأن زوجته غير مخلصة له، وأنها على علاقة بالضابط الفرنسي دانتس. وخلال تلك الفترة، كان بوشكين وأصدقاؤه يتلقون رسائل غير موقعة مليئة بالقذف والشتائم لتشويه سمعته .. تثار الأقاويل ضده، ويتآمر الخصوم عليه، فتمتلئ روحه مرارة. لقد كانت خطة مدبرة من قبل القيصر والقيصرية لاغتيال صوت الشعب، خطة تبدو كما لو كانت من وحي الصدفة [كل المنسوب إلى الصدف مدبر .. كي يبدو من فعل الصدفة]. لم يحتمل بوشكين ذلك، فالقلب يعتصر غضبا "والعار كالمطرقة يدق الأذن"، فدعا غريمه دانتس للمبارزة بالمسدسات دفاعا عن شرفه .. ها قد نجحت الخطة!! وتمت المبارزة في 27 كانون الثاني 1837، وأصيب بوشكين في هذه المبارزة بجرح ظل ينزف ليومين .. فهل كان بالإمكان علاج جرحه؟ وهل كان بالإمكان إنقاذ حياته؟ لكن كيف يتم إنقاذه إذا كان موته هو المطلوب؟! بعد يومين، في 29 كانون الثاني 1837، غابت شمس بوشكين، لكن كلماته ما زالت تضيء العقول بنورها.


هكذا كانت الطلقة سببا في موت بوشكين. هكذا تخبرنا الوقائع أن الواقع أكثر ألما من الأدب. لكن بوشكين بموته في قمة عطائه ونضجه؛ كان قد سدد طلقته النافذة في عقل الشعب الروسي وروحه، أشعل شمعة الوعي في ظلمات القيصرية والدكتاتورية. 

كان يغني الحب، هو المؤتمر بأمر الحب،
وكانت أغنيته صافية
كأفكار عذراء ساذجة
كحلم طفل صغير ، كالقمر ..
قلبي نار ملتهبة
لكن عقلي يحكمه الحزم والروية.
روحي بكاملها صرخة،
وأعمالي تفسيرٌ لتلك الصرخة.

كان بوشكين يعرف تماما أن الشاعر الحقيقي ليس من يجيد نظم الأوزان والقوافي، وإنما من يتخذ من الحياة الشعبية غذاء لروحه، ومن قضايا الوطن مادة لفنه، وكان يعي المصير المأساوي للشعراء المخلصين لشعوبهم: إما النفي وإما الموت!


كتب الشاعر ميخائيل ليرمنتوف يرثي صديقه بوشكين قصيدة طويلة بعنوان "موت شاعر"، يقول فيها: 
مات الشاعر !
سقط شهيدا
أسيرا للشرف 
الرصاص في صدره يصرخ للانتقام
والرأس الشامخ انحنى في النهاية
مات !

ويختم ليرمنتوف قصيدته بتذكير الطغاة بما ينتظرهم في محكمة الرب العادل: 
هنالك حكم الرب 
حكم رهيب ينتظر 
لا يميل مع الذهب 
وأمام العرش الإلهي 
لن تنقذوا جلودكم بقذف الأوحال 
ولن تستطيع كل دمائكم القذرة
أن تعوض أبدا
دم الشاعر النقي 

لكن غاب عن ليرمنتوف أن الطاغية لا ينظر أبعد من أنفه .. لا يفكر فيما بعد غد .. فكيف له أن يفكر فيما بعد الموت! لذا وبنفس الطريقة لقي ليرمنتوف حتفه !!

يقول بوشكين:

أنا الآن متحررٌ للعزاء،
وشاكرٌ للرب العظيم؛
فعلى الأقل، منحتُ الحرية في هذا العالم 

***

الخميس، 9 نوفمبر 2017

مرض الورديّة

 تهدف هذه النشرة للتعريف بمرض الوردية. لكنها لا تغني عن استشارة الطبيب المختص.

ما الوردية؟ 
-       مرض الوردية: هو طفح جلدي مزمن (الوجه)، وقد يصيب أحيانا العينين، عادة بعد سن 30. ومع ذلك، قد يصيب مختلف الأعمار. والوردية أكثر شيوعا في النساء، ولكن أكثر حدة عند الرجال.

ما أعراض الوردية؟ 
** تكون الإصابةُ بالوردية غالبا على الوجه، خاصة الخدين والجبين والذقن والأنف، ولا تقتصر على ذلك، ومن أعراضها:
-       احمرار متكرر للوجه.
-       أوعية دموية متوسعة حمراء صغيرة تحت الجلد.
-       بثور حمراء صغيرة أو بثور قيحية تشبه حب الشباب.
-       جفاف وقشور في المناطق المصابة. 
-       تورّم الأنف (عادة عند الرجال) نتيجة تضخم الغدد الدهنية
-       أحيانا، قد يكون هناك بعض التورم في الوجه (الوذمة اللمفية)، وخصوصا حول العينين.
-       حكة مع احمرار وجفاف في العينين والجفون، وأحيانا مشاكل في الرؤية.
-       إحمرار الوجه المتكرر قد يؤدي إلى الحرج، وانخفاض تقدير الذات والعزلة الإجتماعية.

ما أسباب مرض الوردية؟
لا يُعرف سبب مرض الوردية بالضبط، لكن هناك فرضيات عدة؛ منها
-       وجود خلل في إنتاج ببتيدات كاثلسيدين التي تحفز الالتهاب المفرط وتكوين الأوعية الدموية.
-       قد يكون للفطريات الموجودة على الجلد دور؛ حيث توجد بكميات كبيرة عند المصابين بالوردية، كما يوجد ارتباط بين الوردية والإصابة ببكتيريا (جرثومة) المعدة.
-       كما أن الاستخدام غير المناسب (بدون وصفة طبية) للمستحضرات الموضعية التي تحتوي على الكورتيزون على الوجه، يمكن أن يسبب الوردية.

وهذه مجموعة من العوامل التي قد تُثير الوردية، وليس بالضرورة عند كل المرضى: 
-       التعرض لأشعة الشمس.
-       الطعام الذي يحتوي على التوابل (البهارات الحارة)، وكذلك المشروبات الساخنة مثل القهوة.
-       المواقف المحرجة والتوتر العاطفي.
-       درجات الحرارة العالية والمنخفضة. 
-       المجهود البدني.
-       شرب الكحوليات.

هل الوردية مرض وراثي أو مرض معدٍ؟ 
-       لا يوجد رابط وراثي واضح، كما أنها غير معدية.

كيف سيتم تشخيص الوردية؟ 
-       الوردية يتم تشخيصها من خلال الفحص السريري (الإكلينيكي)، ولا تحتاج لفحوصات مختبرية.

كيف يمكن علاج الوردية؟

1. العناية الذاتية 
-       التقليل من العوامل المسببة لتهيج البشرة (المذكورة سابقا) مثل تناول الاطعمة الحارة والغنية بالبهارات وكثرة استعمال المياه الحارة.
-       حماية البشرة من أشعة الشمس واستخدام واقي الشمس (خالي من الزيوت) على الوجه يومياً. 
-       تجنب فرك/ حك الوجه، واستخدم بدلا من ذلك كمادات باردة. 
-       استخدام مرطب بشكل منتظم، والترطيب المستمر للعينين.
-       استخدام الغسول بدلا عن الصابون.
-       يمكن استخدام مستحضرات التجميل التي تساعد على إخفاء الاحمرار المفرط عند الحاجة. 
-       تجنب المستحضرات الموضعية التي تحتوي على الكورتيزون، إلا إذا وصفت من قبل الطبيب.

2. علاجات موضعية: يمكن التحكم بالوردية الخفيفة بواسطة العلاجات الموضعية.
-    نؤكد على استخدام الكريمات المرطبة بشكل دائم ومنتظم.
-   ومن أهم العلاجات الموضعية كريم أو جل ميترونيدازول (Rosex 0.75% gel / cream) وكريم حمض الإزيليك وغيرها. 
-  العلاجات المضادة للإلتهاب مثل مرهم التاكروليمس و كريم بمكروليمس. 

-  من العلاجات الموضعية الجديدة: كريم سولانترا (Soolantra 1% cream)، و كريم روفيد (Rhofade1% cream)، و جل ميرفازو (Mirvaso 0.33% gel).

3. المضادات الحيوية عن طريق الفم: 
-       تستخدم في حالة الوردية المتوسطة أو الشديدة.

4. العلاجات الأخرى: 
-       أقراص الايزوتريتنوين (Isotretinoin) في حالة الوردية الشديدة، ولا ينصح أخذه إلا بوصفة طبية.
-       احمرار الخدين والأوعية الدموية المتوسعة يمكن علاجها بالليزر.
-       تضخم الأنف او تضخم الغدد الدهنية يمكن تحسينها بالليزر أو الإجراءات الجراحية.
-       في حالة وردية العين يجب مراجعة طبيب العيون، مع الاهتمام  بنظافة الجفن، والمداومة على استخدام قطرات العين المرطبة والترطيب المستمر للعينين.

* قد يحتاج بعض المرضى لاستخدام أكثر من علاج موضعي مع أو بدون طرق العلاج الأخرى للتحكم في نشاط المرض، ولتجنب المضاعفات.

مضاعفات مرض الوردية
-       الوردية مرض مزمن ويتطلب من المصاب التكيُف معه.
-       التهابات بالعينين.
-       تضخم الأنف أو تضخم الغدد الدهنية (رينوفيما)، وهي مرحلة متقدمة من مراحل الوردية.

الثلاثاء، 3 أكتوبر 2017

حيرة المرضى من اختلاف الأطباء

ذهب السيد المريض إلى عيادة الطبيب، يشكو له ما قد ألمّ به من ألم، وبعد الكشف عليه، أخبره الطبيب أن ما يعاني منه هو المرض (ض)، ثم صرف له الدواء (م). لكن السيد المريض لم يخبر الطبيب أنه قد ذهب إلى طبيب آخر قبله !! وكان الطبيب الأول قد ذكر له نفس التشخيص (ض) إلا أنه صرف له الدواء (گ).

يبادر السيد المريض، وكعادة أفراد المجتمع، إلى استشارة الأهل والأصدقاء وقبل ذلك يستشير أولئك الذين يجلسون في مقاعد الانتظار (لصرف الدواء)، ويبدأون في الخلط والعجن في عراء مكشوف معرض للأتربة وعوادم السيارات، فيخرج المريض من تلك الاستشارات بتوصيات ملوثة غالبا ما تستهدف ذاكرته قصيرة الأمد فتُنسيه ما قاله الطبيب منذ لحظات.

ليس هناك أدنى شك في أنه من حق المريض أن يأخذ رأيا طبيا ثالثا ورابعا وعاشرا، أقول رأيا "طبيا" بمعنى أن يستشير طبيبا، لا أن يأخذ رأي زميله في العمل، ولا رأي عطار وإن كان يبيع أعشابه بتصريح من وزارة التجارة ! لكن يبقى السؤال الذي حيّر هذا المريض وغيره من المرضى: لماذا يختلف الأطباء في طرائق علاجهم؟ لماذا صرف طبيبنا الدواء (م)، بينما صرف الطبيب الأول الدواء (گ) لنفس المريض ؟

إنّ ما يغيب عن الكثيرين أنّ الطب (إنْ اُعتبر علما*) أقرب من العلوم الإنسانية منه إلى العلوم الطبيعية ! وماذا يعني هذا ؟

إنّ العلوم الطبيعية هي علوم بالغة الدقة تقترب دقتها من دقة الرياضيات، كالفيزياء والكيمياء والأحياء، بينما العلوم الإنسانية هي علوم نسبية تختلف باختلاف الإنسان، كعلوم الاجتماع والنفس والاقتصاد. وفي حالة السيد المريض كان الاختلاف في الطبيب. وحسبك أن تسأل أحدهم: هل أنت وفلان نفس الشيء ؟
وجوابه سيكون بالنفي.
وهنا نسأله: فلماذا تتوقع أن تأخذ نفس الدواء الذي يأخذه فلان ؟ 
فإن أجاب بأنه وفلانا يعانيان من نفس المرض. قلنا له: إننا نعالج المريض، وليس المرض! وهنا نتذكر قول أبي حامد الغزالي، إذ قال: "لو عالج الطبيب جميع المرضى بنفس الدواء لمات معظمهم". وقد علّق الفيلسوف المعاصر سيد حسين نصر على ذلك بقوله: "من الأمور المتناقضة أنه في الحضارة الحديثة التي تنادي بالفردانية نجد في الطب تماثلا شديدا يفترض أن تأثر جميع الأجسام بالعقاقير هو عينه أو يكاد، في حين أنه في الطب التقليدي الذي كان ينتمي إلى حضارة يخضع فيها نظام الأفراد للنظام العام، كان كل فرد يعالج بطريقه خاصة، ويعد مزاجه خلطا من الأخلاط لا يمكن أن يوجد أبدا بنفس التوازن في فرد آخر" .. وهنا يجب التأكيد على أن لكل إنسان فرديته الخاصة به التي تميزه عن الآخرين بغض النظر عن اشتراكه مع غيره في الإصابة بنفس المرض أو في أي شيء آخر.

وإنْ كان قد قيل إن ما ينبغي معرفته هو السبب، فإن ما يجب أن يسعى المريض لمعرفته أولا هو تشخيص حالته. فقد يوفق الطبيب إلى تشخيص المرض، وقد لا يصل الطبيب إلى تشخيص حالة المريض إلا بعد إعطائه العلاج ومتابعة حالته في قادم الزيارات ! وإن كان تطور وسائل الفحوصات المخبرية وتقنيات التصوير الطبي قد ساهم في تطور الطب وتمكين الطاقم الطبي من الكشف عن الأمراض وتشخيصها، إلا أن هناك حالات مرضية قد تستدعي من الطبيب علاج المريض ومتابعته لمعرفة ما إذا كان الطبيب قد وفق في تشخيص حالة المريض، وهنا يستخدم الطبيب منهج المحاولة والخطأ، ثم معرفة سبب الخطأ وبالتالي معرفة الصواب. كما أنه ليس من مهام الطب معرفة "لماذا" حدث المرض (وإن نجح في حالات كثيرة)، ولكنه في أحسن الأحوال قد يخبرنا "كيف" حدث المرض، لذلك يُرجع الأطباء أسباب حدوث المرض لأسباب تخص المريض من حيث قابليته لأن يصاب بالمرض (أسباب جينية)، ولأسباب بيئية (كتعرضه لعدوى معينة).

ولا شك أن الوعي الذي يملكه المريض عن وضعه الصحي ليس وعيا عاريا أبدا، كما أن الطبيب لا يتجاهل التجربة المعيشة للمريض وحضور آثار الثقافة والمجتمع والتاريخ، وتأثير كل ذلك في وعي المريض.

لذا قد يتذمر المريض من مستوى الخدمات الطبية المقدمة، خاصة إذا تعلق الأمر بتأخير علاجه أو عدم توفره (وهنا لا يلام الأطباء، وإنما يقع اللوم على النظام الصحي !!)، أو يتذمر عندما يتسبب العلاج بمضاعفات محتملة ومعروفة؛ وعند حدوث ذلك وبدلا من أن يتجه المريض إلى طبيبه، يستعين بوسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي ! والتي بدلا من أن تساهم في بناء الوعي الصحي السليم لدى الناس، تعمل على التأجيج ضد الخدمات الطبية والأطباء، والمتاجرة بآلام المرضى واحتياجاتهم، مما يعني مزيدا من التضليل الإعلامي. كما لا يخفى ما يصدر عن المنابر الخطابية من إساءة للعاملين والعاملات في المجال الصحي بين الفينة والأخرى. فهل ينتبه الإعلام إلى دوره في بناء الوعي الصحي السليم؟ ثم هل يسعى الإعلام إلى لعب دوره في تنوير المجتمع؟ 

وأما الأطباء فهم أبعد من أن تهزهم آراء لا تحمل في جوهرها سوى خطابات عاطفية عديمة الفائدة والنظر، إذ يتوجب عليهم أن يحملوا بمسؤولية واجبهم تجاه المرضى، وأن لا يكونوا ما يطلبه الجمهور! لأنهم يعلمون جيدا أن الهدف المنشود من الطب هو المحافظة على حياة الإنسان ليس فقط بزيادة عدد أيام عمره، بل كذلك بإعطاء أيامه حياة نوعية، وكما يقول جورج كانغيلام: "إنْ كانت الإنسانية قد اتخذت لنفسها طبا، فلأنها ما كانت لتستطيع العيش من دونه".

لكن ! وعَوْدا على حالة السيد المريض، ما الذي يتحكم في اختيار الطبيب لدواء معين ؟ بمعنى، ما هي الأسباب التي جعلت الطبيب الأول يختار الدواء (گ)، بينما الآخر الدواء (م) ؟ هناك عدة عوامل تؤثر على اختيار الطبيب للدواء، نذكر منها على سبيل المثال:

1. عوامل تخص المريض، وهي من أكثر العوامل التي تحدد اختيار الدواء، مثل حالته الصحية بشكل عام (يعاني من أمراض أخرى، أو يستخدم أدوية وإن كانت دون وصفة طبية، طبيعة عمله، مكان إقامته أي بعده أو قربه من الخدمات الطبية، استخدم أية أدوية من قبل لنفس مرضه الحاضر، تفضيل المريض، .. الخ).

2. عوامل تخص الطبيب وعادة تعتمد على تفضيل الطبيب لدواء معين لهذا المريض وآخر لذاك، وكذلك خبرته مع الأدوية ومع المرضى، فكما يقال: الخبرة تعلم.

3. وهناك عوامل تخص النظام الصحي بشكل عام، كعدم توفر الدواء على سبيل المثال.

ولو ضربنا مثالا نوضح من خلاله كيف تؤثر هذه العوامل على اختيار الطبيب للدواء، فقلنا: إذا كان السيد المريض قد قدم للطبيب الأول معلومات معينة، ثم عند زيارة الطبيب الثاني قدم معلومات إضافية عن وضعه الصحي، فإن هذا مما يساهم في اختلاف الطبيبين في اختيار الدواء. لذلك، حتى وإن اختلف الأطباء في طرائق علاجهم، إلا أنهم اتفقوا على العناية بالمريض وإعادة الصحة له.

وأخيرا؛ يقول البروفسور الفرنسي ديديه سيكار: "إن كان الطب هو طب تسكين الآلام، فإن طب المستقبل هو طب الثقة".

*****
* يرى جورج كانغيلام أن الطب فنٌ في ملتقى طرق عدة علوم، أكثر من كونه علما مستقلا وقائما بذاته.

الجمعة، 29 سبتمبر 2017

مشكلة الشر

إن ما نشهده في الواقع العربي من صراعات وحروب وتزايد في أعداد الضحايا (واليوم، كل الذين يلقون حتفهم في الحروب ضحايا)، وما نتج وينتج عن ذلك من مآسي وآلام حتى أن الأمل يكاد يختنق في قبضة الشر. كل هذا جعل الكثير من التساؤلات تطفو على السطح محاولة النجاة من هذا الاختناق. وهذه التساؤلات إنما تتمركز حول مشكلة الشر، أي عن سبب وجود الشر في هذا العالم، وكيف يمكن التوفيق بين وجود الشر كشيء واقعي وملموس، وبين وجود إله خالق ورحيم وعلى كل شيء قدير. 

ومن المعروف أن الشر موجود منذ الإنسان الأول، بل هو قبل ذلك في عالم الحيوان والطبيعة. ولا شك أن الفكر الإنساني قد تعرض لمشكلة الشر محاولا التوفيق بين وجود الشر في العالم كشيء واقعي وملموس، وبين العناية الإلهية بالخلق. فكيف استطاع الفكر الإنساني معالجة هذه المسألة؟

تشرق علينا أولا إحدى أقدم الفلسفات الشرقية، ألا وهي الطاوية. ففي الطاوية؛ يُنظر إلى الحياة والإنسان والوجود بأكمله، على أنه نتاج قوتين ساريتين في كل مظاهر الوجود، هما الـ"يانغ" و الـ"ين"، وهما على تعارضهما إلا أنهما متعاونتان، فلا قيام لأحدهما في معزل عن الأخرى، فكل ضد يتخذ معناه من ضده. حيث لا نور بلا ظلام، ولا خير بلا شر، ولا حياة بلا موت، وحيث الوجود وكل مظاهره في حالة تناوب تلقائي. وهكذا ترى الطاوية أن وجود الشر مقرون بوجود الخير. وأنه لولا وجود أحدهما لما وجد الآخر. وهذه النظرة سابقة لفلسفة هرقليطس*، أي اجتماع الأضداد، ومفادها أن الخير ضد الشر، ولا يوجد الضد من غير ضده، فوجود الخير يستدعي وجود الشر، ومن الخطأ أن نريد أحدهما دون الاخر، لأن انتفاء أحدهما يعني انتفاء الآخر. واسمع لقول الحكيم الصيني لاو-تسو، وهو أحد حكماء الطاوية، إذ يقول: "الحكيم هو الذي يدرك قطبية وجوده ووجود العالم، وصيرورة الأحداث فيه، ويرى في كل مظهر لليانغ بذرة ين تنمو في أعماقه، وفي كل مظهر للين بذرة يانغ". 

وفي الفلسفة اليونانية، نجد أن الرواقية قد حاولت إيجاد حل للتوتر القائم بين العناية الإلهية وبين مشكلة الشر، فذهبت إلى أنه لا شر هناك إذا نظرنا إلى الأمر نظرة كلية كونية، فلكل شيء في الكون مكانه ووظيفته وغايته وطبيعته، وما يسميه الناس شرا إنما هو شر من حيث الجزء لا من حيث الكل، بينما هو يتجه في الحقيقة إلى كمال المجموع. ووجود الشر في الجزيئات شرط لخير الكل. 

أما في الفكر الديني، فإن أكثر المفكرين المسيحيين اهتماما بالشر في عصر الآباء هو أوغسطين، إذ يميز بين الشر الأخلاقي - أو الخطيئة - وهو ليس من صنع الله، بل من صنع الإرادة الإنسانية التي تستطيع الاختيار بين الخير والشر، وبين الشر الفيزيائي الذي يعكس العدالة الإلهية، من حيث أنه عقاب للإنسان عن خطيئته الأولى. وفي هذا قال لاكتانس (النظام الإلهي): "كل شر إنما يصدر عن إرادة الإنسان، فهو الذي يختار الشر كما يختار الخير، والشر إنما ينتج عن إساءة استعمال الإنسان لحريته في الاختيار".

وإذا تأملنا ما ذكره الفكر الإسلامي عندما تعرض لمعضلة الشر، نجد أنه يقرر بأن الله هو وهو فقط الخير المحض، وأنه قد خلق عالم الوجود، ولأن الخلق يستلزم انفصال عالم الوجود عن منبع الخير المحض؛ صار ذلك الانفصال سببا في ظهور الشر. وبعبارة أخرى؛ إن الله هو الخير المطلق، ولا يمكن لشيء آخر أن يكون خيرا مطلقا؛ لأنه لا يمكن لشيء آخر أن يكون الله.

إذن، عالم الوجود - بانفصاله عن منبع الخير المحض والكمال المطلق اللامتناهي - قد وُجد من الكمال ولكنه يحتوي على نقص. إن هذا الكمال هو الخير وهو أمر وجودي، بينما الشر أمر عدمي يعبر عنه النقصان (أي عدم الكمال). فالشيء الواحد في كماله الخير وفي نقصانه الشر، فهو (أي الشيء) يتردد بين قطبين متناقضين يضمهما في داخل ذاته، وهنا حركة جدلية بين ثنائية الأضداد في الشيء نفسه، فالضد هو الشريك أيضا، ولهذا قال عبد الرحمن بدوي: "إن الوجود نسيج الأضداد". وقد قيل إنه في عالم الوجود؛ لا يوجد خير محض ولا شر محض، أي أن في أي خير يوجد شر، وفي أي شر يوجد خير.




وهنا قد يسأل سائل: أين العدالة الإلهية في عالمنا؟ 

لقد قلنا: إن عالم الوجود، والذي انفصل عن الخير المحض، قد وُجد على نقص هو الشر. ولذلك فإن العدالة الإلهية المطلقة لن تكون في هذا العالم الذي يعوزه الكمال المطلق. وهنا نستطيع أن نقول أن عالم الوجود ليس ساحة للعدالة الإلهية، وهذا هو سبب الإيمان بأن العدالة الإلهية سوف تتحقق في الحياة الآخرة عندما تتغير قوانين عالم الوجود، فلا جدلية في الشيء نفسه (حياة وموت، خير وشر، ... إلخ) ولا أضداد شركاء. ثم لو أن عالم الوجود كان خيرا مطلقا، فليس هناك أي معنى ليوم الحساب الذي ستتحقق فيه العدالة الإلهية. ولنسأل: أليس وجود الشر دليل على أننا موعودون بيوم الحساب؟! 

إن الإنسان وهو جزء من الوجود، تنطبق عليه قوانين الوجود المادي، أي - كما ذكرنا - صراع الأضداد في الشيء نفسه (الموت والحياة، الخير والشر، .. إلخ). وهذا يدعونا إلى الإقرار بطبيعة الكائن البشري (كما يؤكدها علم النفس) والتي تتمثل في وجود الخير والشر في طبيعته التكوينية، وأن ذلك بدون اختيار منه، ولذلك فقد أُعطي الإنسان الحرية في اختيار أفعاله، ليفعل ما يختاره هو نفسه بلا إجبار ولا إكراه. وهذه الحرية هي أساس الوجود الإنساني، فالإنسان حرّ في خياراته بين الطاعة والمعصية، والخير والشر. وهذه الحرية هي التي جعلت الإنسان مسؤولا عن أفعاله، تلك الأفعال التي سيحاسب عليها فيما بعد، أي عندما تتجلى العدالة الإلهية في يوم الحساب. 

إن ثنائيات الخير والشر، الطاعة والمعصية، الصواب والخطأ، الحق والوهم أصل في طبيعة الإنسان الوجودية، "كل ابن آدم خطاء"، وطبيعة الإنسان هذه هي ما فتحت باب التوبة أمامه، ولعل هذا بعض ما يخفف عليه ثقل التقصير والمعصية. لأن معرفة أننا نتحمل المسؤولية الكاملة عن هذا القدر الكبير من الشر يثقل كاهلنا، لذلك "نفضل أن نجد الشر مقيما في أفراد المجرمين أو في جماعاتهم، بينما نقوم بغسل أيدينا تنصلا من الميل العام إلى الشر وتجاهلا له". وهنا تظهر ميزة عظيمة تقوم بها الأديان السماوية إذ تعمد إلى التسليم بمبدأ ميتافيزيقي للشر، حيث أنها تخفف عن ضمير الإنسان مسؤولية بالغة الثقل إذ تلقيها على عاتق الشيطان. 

إن حرية الإنسان في أفعاله (الطاعة والمعصية، الخير والشر، ... إلخ) تمثل أساس موضوع الأخلاق. والإنسان من الوجهة الأخلاقية - كما يقول جيمس هنري برستد - لا يزال طفلا يلعب في داخل حجرة مملوءة بلعب خطرة جدا لم يتعلم بعد كيفية استعمالها، وبذلك يُحدث باستمرار أضرارا جسيمة، لا لنفسه وكفى، بل لكل المبنى الذي يعيش فيه. 

وخلاصة القول:
1. إن وجود الشر لا يتعارض مع وجود إله خالق ورحيم وعلى كل شيء قدير، إنما الشر كان نتيجة لخلق عالم الوجود من قبل إله لامتناهٍ وخير محض. 
2. يكمن كلٌّ من الخير والشر في تكوين الإنسان، وأن ذلك بدون اختيار منه، ولذلك أُعطي الحرية لاختيار أفعاله. 
3. إن حرية الإنسان هي أساس الأخلاق. 
4. إن طبيعة الإنسان والتي يعتريها النقص والخطأ هي ما فتحت أبواب التوبة أمامه. 
5. إن معرفة أن الإنسان في وسعه أن يعمل الشر كما يعمل الخير يجب أن تكون الحافز للعمل على تربية الجنس البشري تربية أخلاقية تسعى للحد من الشر. 

وأخيرا، يقول محمد شحرور: لقد ربط التنزيل الحكيم بين وجود الخير والشر في هذا الوجود وبين ظاهرة الموت في قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة، وإلينا ترجعون). ولهذا فإن مثَل الطامع بإلغاء الشر كمثل الذي يطمع بإلغاء قانون الموت، وهذا محال؛ لأن ظاهرة الموت قانون من قوانين الوجود ولا يمكن القضاء عليها. 



****
* هرقليطس .. الفيلسوف صاحب الفكرة الجديدة
http://khaled-mohajer.blogspot.com/2016/11/blog-post_20.html

الأربعاء، 13 سبتمبر 2017

ما سرُّ عالميته؟

إن كل ما هو إنساني أو يختص بالإنتاج الإنساني يختلف بحسب اختلاف الإنسان الذي يختلف من مكان لآخر ومن زمان لآخر، وكذلك يختلف باختلاف اللغة والبنية الاجتماعية، والبيئة (من خلال موقعها وجغرافيتها)، وباختلاف تاريخه وموروثه. وكل تلك العوامل تعمل على تكوين ثقافته وآدابه وفنونه وعاداته وتقاليده. وهذه العوامل تؤثر وتساهم في تكوين شخصية الإنسان ليكون فردا متميزا عن غيره في تصوراته ومواقفه وخبراته وطريقة تفكيره وأنماط سلوكه. فما يميّز المجتمع الإنساني هو أن أفراده يختلفون فيما بينهم، وليس يُعرف مجتمع يتماثل أفراده إلا في المجتمعات الحيوانية، كالنمل مثلا.

والحديث هنا عن ما يبدعه الإنسان، وما يميز نتاجه من اختلاف تنوع وتعدد يعكس اختلاف الإنسان كفرد مستقل بذاته، وكعنصر فاعل في المجتمع الذي ينتمي إليه. فالدين* مثلا، يختلف من أمة لأخرى سواء كان هذا الاختلاف في المعتقدات كالإيمان باليوم الآخر، أو في جانب القيم الأخلاقية والذي يشمل المعاملات والمحرمات، أو في الجانب التشريعي أي الحدود، أو الجانب الشعائري الطقوسي كالصلاة مثلا. ولا أوضح من اختلاف الناس في دينهم الذي يتبعون، فتجد المسيحية في الغرب، والهندوسية والبوذية في الشرق وبينهما أتباع الرسالة المحمدية، وهنا وهناك توجد طوائف وأديان أخرى. 

والفن بمختلف أنواعه (الفن التشكيلي كالتصوير، والنحت، والعمارة، أو الصوتي كالموسيقى، أو الحركي كالرقص، .. الخ)، كل هذه الفنون هي نتاج الإنسان وهي ما يعبر عنه الإنسان بحسب خلفيته الثقافية الموروثة وواقعه المعيش. فتجد على سبيل المثال الفن الصيني، والفن العربي أو ما يسمى أرابيسك، والفن الفارسي، والموسيقى الشرقية والغربية (وإن لم يتفق على هذا التقسيم)، والرقص الشرقي والغربي، وهكذا. فالفن لا يعكس واقع التجربة الإنسانية فقط، بل يكون أداة لنقد الواقع المعيش، ووسيلة للتعبير عن رفضه أو قبوله.

وكذلك في الأدب سواء أكان شعرا أم نثرا كالرواية والقصة القصيرة والمسرح والتراجم والنقد، فهو كذلك يختلف تبعا لاختلاف الإنسان، والذي يستخدم أسلوبه الأدبي ليدلي برأيه الشخصي، ويجب أن يعكس هموم مجتمعه، معبرا عن ذلك بلسان لغته، ليمارس الأديب دورا فاعلا في الحياة الاجتماعية. وكذا تختلف الآداب العامة مثل آداب تقديم الطعام وطريقة اللباس، ونظام المسكن وحفلات الزواج والولادة ومراسم دفن الميت وغيرها من العادات والتقاليد.

أما العلم، والمقصود هنا العلوم الطبيعية، كالفيزياء مثلا، فلا يختلف باختلاف الإنسان**، وهذا ما قد يشير إلى أن ما تكشف عنه العلوم الطبيعية ليست إنسانية، أي أن مصدره ليس إنسانيا، بل هو قانون أو قوانين الطبيعة الذي لا تعبأ بالإنسان! ولا شك أن هذا يحرك السؤال القديم: مَن وضع قوانين الطبيعة؟

إن الإجابة على هذا السؤال عند المسلمين سهلة يسيرة، إذ يقولون: "الله خالق كل شيء"، ويقصدون أن الله هو الذي أوجد كل شيء، بمعنى التكوين (كن فيكون)، أما الخلق فيعني التصميم. إذن؛ وحدة قوانين الطبيعة تعني أنها ليست من لدن الإنسان، بل أوجدتها قوة خارجة عن الإنسان، لأن كل ما هو من ابتكار الإنسان يقتضي الاختلاف. ومما قد يدل على أنها خارجة عن الإنسان هي طبيعة العلوم الطبيعية، فما هي إلا كشفٌ عما هو موجود! وهذا ما يفعله العلماء، إنهم يكشفون القناع عن أسرار الطبيعة والوجود الإنساني. والوجود الإنساني يعني التحرر من قيود الضرورة المفروضة على الوجود ليظفر بحريته، وهذه الحرية شرط للإبداع الخلاق في الأدب والعلوم والفنون، وكذلك الدين. فإذا ما وجدت الحرية متنفسها في الخيال الإنساني، اللامحدود بطبعه، فإن العقل يبدع ويُغْني الحياة، فالحرية تسمح بالخروج عن المألوف، حيث يجد الإبداع طريقه. وهكذا، تكوّن الحرية فضاء المعرفة التي تحمي الإنسان من التقليد في الفن، وحشو الكلام في الأدب، والكهنوتية في الدين، وادعاء الحقيقة المطلقة في العلم. إن سبيل الحرية هي سبيل الإبداع الإنساني، كما أن حرية الإنسان لا يمكن أن تكون أوسع من معرفته!

لذلك يمكن القول إنه لا يمكن أن يكون هناك دين عالمي أو فن عالمي أو آداب عالمية، وحده العلم استطاع أن يكون عالميا. ولعل السر في عالميته يكمن في طبيعته التي تتوافق مع طبيعة الحياة، كيف؟ إن الحياة في جدة مستمرة، وكذا العلم ثائر على ماضيه، يصحح مساره ويتجاوز نفسه في تجديد مستمر.

* لفتة:
عندما ذكر التنزيل الحكيم بأن الدين عند الله هو الإسلام، وأن الإسلام يعني الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح .. لعل هذا يعني أن الدين بهذا المعنى الواسع، وبهذه الوحدة التي قررها التنزيل الحكيم، أقول لعله يعني أن مصدر الدين من خارج الإنسان، وليس للإنسان أن يتحكم أو يغير هذا الدين، كما أن هذا لا شأن له باختلاف الناس في مناسكهم وشعائرهم. فاختلاف الملل لا يعني اختلافا في الدين.

ولكن هذا أيضا لا يجعل الدين موضع اتفاق من العالم أجمع، لذا يبقى العلم وحده هو من استطاع أن يكون عالميا. أما ما يسمى بالثقافة العالمية، فإن كانت تعني ثقافة تحتوي على كل الثقافات مع الاحتفاظ بخصوصية كل ثقافة كما هي، فلا بأس بذلك، أما إن كانت تعني اندماج الثقافات في ثقافة واحدة، فإن هذا إيذان بقتل التنوع والاختلاف الإنساني، وذلك من خلال اختزال الثقافات الإنسانية المتعددة والمتنوعة والمختلفة في ثقافة مركزية واحدة. فالتنوع والاختلاف في مجالات الفن والأدب يعكس خصوصية ومحدودية التجربة الإنسانية، ودمجها في ثقافة واحدة سيؤدي إلى الافتقار بدلا من الاغتناء.

إذن؛ لنبارك التنوع والاختلاف والوفرة والتي ستقود إلى التكامل والتواصل وإلى إثراء الحياة الإنسانية ... وما أتعس المتماثلون .. كقطيع الأغنام!
------
** والقصد هنا أن المعرفة العلمية حين يُكشف عنها؛ لا تتغير بتغير الإنسان الذي كشف عنها. ومن يتتبع تاريخ العلم يجد أن المعرفة العلمية معرفة تراكمية، بمعنى أن النظرية العلمية الحديثة تحتوي على القديمة وتتجاوزها.