الخميس، 9 نوفمبر 2017

مرض الورديّة

 تهدف هذه النشرة للتعريف بمرض الوردية. لكنها لا تغني عن استشارة الطبيب المختص.

ما الوردية؟ 
-       مرض الوردية: هو طفح جلدي مزمن (الوجه)، وقد يصيب أحيانا العينين، عادة بعد سن 30. ومع ذلك، قد يصيب مختلف الأعمار. والوردية أكثر شيوعا في النساء، ولكن أكثر حدة عند الرجال.

ما أعراض الوردية؟ 
** تكون الإصابةُ بالوردية غالبا على الوجه، خاصة الخدين والجبين والذقن والأنف، ولا تقتصر على ذلك، ومن أعراضها:
-       احمرار متكرر للوجه.
-       أوعية دموية متوسعة حمراء صغيرة تحت الجلد.
-       بثور حمراء صغيرة أو بثور قيحية تشبه حب الشباب.
-       جفاف وقشور في المناطق المصابة. 
-       تورّم الأنف (عادة عند الرجال) نتيجة تضخم الغدد الدهنية
-       أحيانا، قد يكون هناك بعض التورم في الوجه (الوذمة اللمفية)، وخصوصا حول العينين.
-       حكة مع احمرار وجفاف في العينين والجفون، وأحيانا مشاكل في الرؤية.
-       إحمرار الوجه المتكرر قد يؤدي إلى الحرج، وانخفاض تقدير الذات والعزلة الإجتماعية.

ما أسباب مرض الوردية؟
لا يُعرف سبب مرض الوردية بالضبط، لكن هناك فرضيات عدة؛ منها
-       وجود خلل في إنتاج ببتيدات كاثلسيدين التي تحفز الالتهاب المفرط وتكوين الأوعية الدموية.
-       قد يكون للفطريات الموجودة على الجلد دور؛ حيث توجد بكميات كبيرة عند المصابين بالوردية، كما يوجد ارتباط بين الوردية والإصابة ببكتيريا (جرثومة) المعدة.
-       كما أن الاستخدام غير المناسب (بدون وصفة طبية) للمستحضرات الموضعية التي تحتوي على الكورتيزون على الوجه، يمكن أن يسبب الوردية.

وهذه مجموعة من العوامل التي قد تُثير الوردية، وليس بالضرورة عند كل المرضى: 
-       التعرض لأشعة الشمس.
-       الطعام الذي يحتوي على التوابل (البهارات الحارة)، وكذلك المشروبات الساخنة مثل القهوة.
-       المواقف المحرجة والتوتر العاطفي.
-       درجات الحرارة العالية والمنخفضة. 
-       المجهود البدني.
-       شرب الكحوليات.

هل الوردية مرض وراثي أو مرض معدٍ؟ 
-       لا يوجد رابط وراثي واضح، كما أنها غير معدية.

كيف سيتم تشخيص الوردية؟ 
-       الوردية يتم تشخيصها من خلال الفحص السريري (الإكلينيكي)، ولا تحتاج لفحوصات مختبرية.

كيف يمكن علاج الوردية؟

1. العناية الذاتية 
-       التقليل من العوامل المسببة لتهيج البشرة (المذكورة سابقا) مثل تناول الاطعمة الحارة والغنية بالبهارات وكثرة استعمال المياه الحارة.
-       حماية البشرة من أشعة الشمس واستخدام واقي الشمس (خالي من الزيوت) على الوجه يومياً. 
-       تجنب فرك/ حك الوجه، واستخدم بدلا من ذلك كمادات باردة. 
-       استخدام مرطب بشكل منتظم، والترطيب المستمر للعينين.
-       استخدام الغسول بدلا عن الصابون.
-       يمكن استخدام مستحضرات التجميل التي تساعد على إخفاء الاحمرار المفرط عند الحاجة. 
-       تجنب المستحضرات الموضعية التي تحتوي على الكورتيزون، إلا إذا وصفت من قبل الطبيب.

2. علاجات موضعية: يمكن التحكم بالوردية الخفيفة بواسطة العلاجات الموضعية.
-    نؤكد على استخدام الكريمات المرطبة بشكل دائم ومنتظم.
-   ومن أهم العلاجات الموضعية كريم أو جل ميترونيدازول (Rosex 0.75% gel / cream) وكريم حمض الإزيليك وغيرها. 
-  العلاجات المضادة للإلتهاب مثل مرهم التاكروليمس و كريم بمكروليمس. 

-  من العلاجات الموضعية الجديدة: كريم سولانترا (Soolantra 1% cream)، و كريم روفيد (Rhofade1% cream)، و جل ميرفازو (Mirvaso 0.33% gel).

3. المضادات الحيوية عن طريق الفم: 
-       تستخدم في حالة الوردية المتوسطة أو الشديدة.

4. العلاجات الأخرى: 
-       أقراص الايزوتريتنوين (Isotretinoin) في حالة الوردية الشديدة، ولا ينصح أخذه إلا بوصفة طبية.
-       احمرار الخدين والأوعية الدموية المتوسعة يمكن علاجها بالليزر.
-       تضخم الأنف او تضخم الغدد الدهنية يمكن تحسينها بالليزر أو الإجراءات الجراحية.
-       في حالة وردية العين يجب مراجعة طبيب العيون، مع الاهتمام  بنظافة الجفن، والمداومة على استخدام قطرات العين المرطبة والترطيب المستمر للعينين.

* قد يحتاج بعض المرضى لاستخدام أكثر من علاج موضعي مع أو بدون طرق العلاج الأخرى للتحكم في نشاط المرض، ولتجنب المضاعفات.

مضاعفات مرض الوردية
-       الوردية مرض مزمن ويتطلب من المصاب التكيُف معه.
-       التهابات بالعينين.
-       تضخم الأنف أو تضخم الغدد الدهنية (رينوفيما)، وهي مرحلة متقدمة من مراحل الوردية.

الثلاثاء، 3 أكتوبر 2017

حيرة المرضى من اختلاف الأطباء

ذهب السيد المريض إلى عيادة الطبيب، يشكو له ما قد ألمّ به من ألم، وبعد الكشف عليه، أخبره الطبيب أن ما يعاني منه هو المرض (ض)، ثم صرف له الدواء (م). لكن السيد المريض لم يخبر الطبيب أنه قد ذهب إلى طبيب آخر قبله !! وكان الطبيب الأول قد ذكر له نفس التشخيص (ض) إلا أنه صرف له الدواء (گ).

يبادر السيد المريض، وكعادة أفراد المجتمع، إلى استشارة الأهل والأصدقاء وقبل ذلك يستشير أولئك الذين يجلسون في مقاعد الانتظار (لصرف الدواء)، ويبدأون في الخلط والعجن في عراء مكشوف معرض للأتربة وعوادم السيارات، فيخرج المريض من تلك الاستشارات بتوصيات ملوثة غالبا ما تستهدف ذاكرته قصيرة الأمد فتُنسيه ما قاله الطبيب منذ لحظات.

ليس هناك أدنى شك في أنه من حق المريض أن يأخذ رأيا طبيا ثالثا ورابعا وعاشرا، أقول رأيا "طبيا" بمعنى أن يستشير طبيبا، لا أن يأخذ رأي زميله في العمل، ولا رأي عطار وإن كان يبيع أعشابه بتصريح من وزارة التجارة ! لكن يبقى السؤال الذي حيّر هذا المريض وغيره من المرضى: لماذا يختلف الأطباء في طرائق علاجهم؟ لماذا صرف طبيبنا الدواء (م)، بينما صرف الطبيب الأول الدواء (گ) لنفس المريض ؟

إنّ ما يغيب عن الكثيرين أنّ الطب (إنْ اُعتبر علما*) أقرب من العلوم الإنسانية منه إلى العلوم الطبيعية ! وماذا يعني هذا ؟

إنّ العلوم الطبيعية هي علوم بالغة الدقة تقترب دقتها من دقة الرياضيات، كالفيزياء والكيمياء والأحياء، بينما العلوم الإنسانية هي علوم نسبية تختلف باختلاف الإنسان، كعلوم الاجتماع والنفس والاقتصاد. وفي حالة السيد المريض كان الاختلاف في الطبيب. وحسبك أن تسأل أحدهم: هل أنت وفلان نفس الشيء ؟
وجوابه سيكون بالنفي.
وهنا نسأله: فلماذا تتوقع أن تأخذ نفس الدواء الذي يأخذه فلان ؟ 
فإن أجاب بأنه وفلانا يعانيان من نفس المرض. قلنا له: إننا نعالج المريض، وليس المرض! وهنا نتذكر قول أبي حامد الغزالي، إذ قال: "لو عالج الطبيب جميع المرضى بنفس الدواء لمات معظمهم". وقد علّق الفيلسوف المعاصر سيد حسين نصر على ذلك بقوله: "من الأمور المتناقضة أنه في الحضارة الحديثة التي تنادي بالفردانية نجد في الطب تماثلا شديدا يفترض أن تأثر جميع الأجسام بالعقاقير هو عينه أو يكاد، في حين أنه في الطب التقليدي الذي كان ينتمي إلى حضارة يخضع فيها نظام الأفراد للنظام العام، كان كل فرد يعالج بطريقه خاصة، ويعد مزاجه خلطا من الأخلاط لا يمكن أن يوجد أبدا بنفس التوازن في فرد آخر" .. وهنا يجب التأكيد على أن لكل إنسان فرديته الخاصة به التي تميزه عن الآخرين بغض النظر عن اشتراكه مع غيره في الإصابة بنفس المرض أو في أي شيء آخر.

وإنْ كان قد قيل إن ما ينبغي معرفته هو السبب، فإن ما يجب أن يسعى المريض لمعرفته أولا هو تشخيص حالته. فقد يوفق الطبيب إلى تشخيص المرض، وقد لا يصل الطبيب إلى تشخيص حالة المريض إلا بعد إعطائه العلاج ومتابعة حالته في قادم الزيارات ! وإن كان تطور وسائل الفحوصات المخبرية وتقنيات التصوير الطبي قد ساهم في تطور الطب وتمكين الطاقم الطبي من الكشف عن الأمراض وتشخيصها، إلا أن هناك حالات مرضية قد تستدعي من الطبيب علاج المريض ومتابعته لمعرفة ما إذا كان الطبيب قد وفق في تشخيص حالة المريض، وهنا يستخدم الطبيب منهج المحاولة والخطأ، ثم معرفة سبب الخطأ وبالتالي معرفة الصواب. كما أنه ليس من مهام الطب معرفة "لماذا" حدث المرض (وإن نجح في حالات كثيرة)، ولكنه في أحسن الأحوال قد يخبرنا "كيف" حدث المرض، لذلك يُرجع الأطباء أسباب حدوث المرض لأسباب تخص المريض من حيث قابليته لأن يصاب بالمرض (أسباب جينية)، ولأسباب بيئية (كتعرضه لعدوى معينة).

ولا شك أن الوعي الذي يملكه المريض عن وضعه الصحي ليس وعيا عاريا أبدا، كما أن الطبيب لا يتجاهل التجربة المعيشة للمريض وحضور آثار الثقافة والمجتمع والتاريخ، وتأثير كل ذلك في وعي المريض.

لذا قد يتذمر المريض من مستوى الخدمات الطبية المقدمة، خاصة إذا تعلق الأمر بتأخير علاجه أو عدم توفره (وهنا لا يلام الأطباء، وإنما يقع اللوم على النظام الصحي !!)، أو يتذمر عندما يتسبب العلاج بمضاعفات محتملة ومعروفة؛ وعند حدوث ذلك وبدلا من أن يتجه المريض إلى طبيبه، يستعين بوسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي ! والتي بدلا من أن تساهم في بناء الوعي الصحي السليم لدى الناس، تعمل على التأجيج ضد الخدمات الطبية والأطباء، والمتاجرة بآلام المرضى واحتياجاتهم، مما يعني مزيدا من التضليل الإعلامي. كما لا يخفى ما يصدر عن المنابر الخطابية من إساءة للعاملين والعاملات في المجال الصحي بين الفينة والأخرى. فهل ينتبه الإعلام إلى دوره في بناء الوعي الصحي السليم؟ ثم هل يسعى الإعلام إلى لعب دوره في تنوير المجتمع؟ 

وأما الأطباء فهم أبعد من أن تهزهم آراء لا تحمل في جوهرها سوى خطابات عاطفية عديمة الفائدة والنظر، إذ يتوجب عليهم أن يحملوا بمسؤولية واجبهم تجاه المرضى، وأن لا يكونوا ما يطلبه الجمهور! لأنهم يعلمون جيدا أن الهدف المنشود من الطب هو المحافظة على حياة الإنسان ليس فقط بزيادة عدد أيام عمره، بل كذلك بإعطاء أيامه حياة نوعية، وكما يقول جورج كانغيلام: "إنْ كانت الإنسانية قد اتخذت لنفسها طبا، فلأنها ما كانت لتستطيع العيش من دونه".

لكن ! وعَوْدا على حالة السيد المريض، ما الذي يتحكم في اختيار الطبيب لدواء معين ؟ بمعنى، ما هي الأسباب التي جعلت الطبيب الأول يختار الدواء (گ)، بينما الآخر الدواء (م) ؟ هناك عدة عوامل تؤثر على اختيار الطبيب للدواء، نذكر منها على سبيل المثال:

1. عوامل تخص المريض، وهي من أكثر العوامل التي تحدد اختيار الدواء، مثل حالته الصحية بشكل عام (يعاني من أمراض أخرى، أو يستخدم أدوية وإن كانت دون وصفة طبية، طبيعة عمله، مكان إقامته أي بعده أو قربه من الخدمات الطبية، استخدم أية أدوية من قبل لنفس مرضه الحاضر، تفضيل المريض، .. الخ).

2. عوامل تخص الطبيب وعادة تعتمد على تفضيل الطبيب لدواء معين لهذا المريض وآخر لذاك، وكذلك خبرته مع الأدوية ومع المرضى، فكما يقال: الخبرة تعلم.

3. وهناك عوامل تخص النظام الصحي بشكل عام، كعدم توفر الدواء على سبيل المثال.

ولو ضربنا مثالا نوضح من خلاله كيف تؤثر هذه العوامل على اختيار الطبيب للدواء، فقلنا: إذا كان السيد المريض قد قدم للطبيب الأول معلومات معينة، ثم عند زيارة الطبيب الثاني قدم معلومات إضافية عن وضعه الصحي، فإن هذا مما يساهم في اختلاف الطبيبين في اختيار الدواء. لذلك، حتى وإن اختلف الأطباء في طرائق علاجهم، إلا أنهم اتفقوا على العناية بالمريض وإعادة الصحة له.

وأخيرا؛ يقول البروفسور الفرنسي ديديه سيكار: "إن كان الطب هو طب تسكين الآلام، فإن طب المستقبل هو طب الثقة".

*****
* يرى جورج كانغيلام أن الطب فنٌ في ملتقى طرق عدة علوم، أكثر من كونه علما مستقلا وقائما بذاته.

الجمعة، 29 سبتمبر 2017

مشكلة الشر

إن ما نشهده في الواقع العربي من صراعات وحروب وتزايد في أعداد الضحايا (واليوم، كل الذين يلقون حتفهم في الحروب ضحايا)، وما نتج وينتج عن ذلك من مآسي وآلام حتى أن الأمل يكاد يختنق في قبضة الشر. كل هذا جعل الكثير من التساؤلات تطفو على السطح محاولة النجاة من هذا الاختناق. وهذه التساؤلات إنما تتمركز حول مشكلة الشر، أي عن سبب وجود الشر في هذا العالم، وكيف يمكن التوفيق بين وجود الشر كشيء واقعي وملموس، وبين وجود إله خالق ورحيم وعلى كل شيء قدير. 

ومن المعروف أن الشر موجود منذ الإنسان الأول، بل هو قبل ذلك في عالم الحيوان والطبيعة. ولا شك أن الفكر الإنساني قد تعرض لمشكلة الشر محاولا التوفيق بين وجود الشر في العالم كشيء واقعي وملموس، وبين العناية الإلهية بالخلق. فكيف استطاع الفكر الإنساني معالجة هذه المسألة؟

تشرق علينا أولا إحدى أقدم الفلسفات الشرقية، ألا وهي الطاوية. ففي الطاوية؛ يُنظر إلى الحياة والإنسان والوجود بأكمله، على أنه نتاج قوتين ساريتين في كل مظاهر الوجود، هما الـ"يانغ" و الـ"ين"، وهما على تعارضهما إلا أنهما متعاونتان، فلا قيام لأحدهما في معزل عن الأخرى، فكل ضد يتخذ معناه من ضده. حيث لا نور بلا ظلام، ولا خير بلا شر، ولا حياة بلا موت، وحيث الوجود وكل مظاهره في حالة تناوب تلقائي. وهكذا ترى الطاوية أن وجود الشر مقرون بوجود الخير. وأنه لولا وجود أحدهما لما وجد الآخر. وهذه النظرة سابقة لفلسفة هرقليطس*، أي اجتماع الأضداد، ومفادها أن الخير ضد الشر، ولا يوجد الضد من غير ضده، فوجود الخير يستدعي وجود الشر، ومن الخطأ أن نريد أحدهما دون الاخر، لأن انتفاء أحدهما يعني انتفاء الآخر. واسمع لقول الحكيم الصيني لاو-تسو، وهو أحد حكماء الطاوية، إذ يقول: "الحكيم هو الذي يدرك قطبية وجوده ووجود العالم، وصيرورة الأحداث فيه، ويرى في كل مظهر لليانغ بذرة ين تنمو في أعماقه، وفي كل مظهر للين بذرة يانغ". 

وفي الفلسفة اليونانية، نجد أن الرواقية قد حاولت إيجاد حل للتوتر القائم بين العناية الإلهية وبين مشكلة الشر، فذهبت إلى أنه لا شر هناك إذا نظرنا إلى الأمر نظرة كلية كونية، فلكل شيء في الكون مكانه ووظيفته وغايته وطبيعته، وما يسميه الناس شرا إنما هو شر من حيث الجزء لا من حيث الكل، بينما هو يتجه في الحقيقة إلى كمال المجموع. ووجود الشر في الجزيئات شرط لخير الكل. 

أما في الفكر الديني، فإن أكثر المفكرين المسيحيين اهتماما بالشر في عصر الآباء هو أوغسطين، إذ يميز بين الشر الأخلاقي - أو الخطيئة - وهو ليس من صنع الله، بل من صنع الإرادة الإنسانية التي تستطيع الاختيار بين الخير والشر، وبين الشر الفيزيائي الذي يعكس العدالة الإلهية، من حيث أنه عقاب للإنسان عن خطيئته الأولى. وفي هذا قال لاكتانس (النظام الإلهي): "كل شر إنما يصدر عن إرادة الإنسان، فهو الذي يختار الشر كما يختار الخير، والشر إنما ينتج عن إساءة استعمال الإنسان لحريته في الاختيار".

وإذا تأملنا ما ذكره الفكر الإسلامي عندما تعرض لمعضلة الشر، نجد أنه يقرر بأن الله هو وهو فقط الخير المحض، وأنه قد خلق عالم الوجود، ولأن الخلق يستلزم انفصال عالم الوجود عن منبع الخير المحض؛ صار ذلك الانفصال سببا في ظهور الشر. وبعبارة أخرى؛ إن الله هو الخير المطلق، ولا يمكن لشيء آخر أن يكون خيرا مطلقا؛ لأنه لا يمكن لشيء آخر أن يكون الله.

إذن، عالم الوجود - بانفصاله عن منبع الخير المحض والكمال المطلق اللامتناهي - قد وُجد من الكمال ولكنه يحتوي على نقص. إن هذا الكمال هو الخير وهو أمر وجودي، بينما الشر أمر عدمي يعبر عنه النقصان (أي عدم الكمال). فالشيء الواحد في كماله الخير وفي نقصانه الشر، فهو (أي الشيء) يتردد بين قطبين متناقضين يضمهما في داخل ذاته، وهنا حركة جدلية بين ثنائية الأضداد في الشيء نفسه، فالضد هو الشريك أيضا، ولهذا قال عبد الرحمن بدوي: "إن الوجود نسيج الأضداد". وقد قيل إنه في عالم الوجود؛ لا يوجد خير محض ولا شر محض، أي أن في أي خير يوجد شر، وفي أي شر يوجد خير.




وهنا قد يسأل سائل: أين العدالة الإلهية في عالمنا؟ 

لقد قلنا: إن عالم الوجود، والذي انفصل عن الخير المحض، قد وُجد على نقص هو الشر. ولذلك فإن العدالة الإلهية المطلقة لن تكون في هذا العالم الذي يعوزه الكمال المطلق. وهنا نستطيع أن نقول أن عالم الوجود ليس ساحة للعدالة الإلهية، وهذا هو سبب الإيمان بأن العدالة الإلهية سوف تتحقق في الحياة الآخرة عندما تتغير قوانين عالم الوجود، فلا جدلية في الشيء نفسه (حياة وموت، خير وشر، ... إلخ) ولا أضداد شركاء. ثم لو أن عالم الوجود كان خيرا مطلقا، فليس هناك أي معنى ليوم الحساب الذي ستتحقق فيه العدالة الإلهية. ولنسأل: أليس وجود الشر دليل على أننا موعودون بيوم الحساب؟! 

إن الإنسان وهو جزء من الوجود، تنطبق عليه قوانين الوجود المادي، أي - كما ذكرنا - صراع الأضداد في الشيء نفسه (الموت والحياة، الخير والشر، .. إلخ). وهذا يدعونا إلى الإقرار بطبيعة الكائن البشري (كما يؤكدها علم النفس) والتي تتمثل في وجود الخير والشر في طبيعته التكوينية، وأن ذلك بدون اختيار منه، ولذلك فقد أُعطي الإنسان الحرية في اختيار أفعاله، ليفعل ما يختاره هو نفسه بلا إجبار ولا إكراه. وهذه الحرية هي أساس الوجود الإنساني، فالإنسان حرّ في خياراته بين الطاعة والمعصية، والخير والشر. وهذه الحرية هي التي جعلت الإنسان مسؤولا عن أفعاله، تلك الأفعال التي سيحاسب عليها فيما بعد، أي عندما تتجلى العدالة الإلهية في يوم الحساب. 

إن ثنائيات الخير والشر، الطاعة والمعصية، الصواب والخطأ، الحق والوهم أصل في طبيعة الإنسان الوجودية، "كل ابن آدم خطاء"، وطبيعة الإنسان هذه هي ما فتحت باب التوبة أمامه، ولعل هذا بعض ما يخفف عليه ثقل التقصير والمعصية. لأن معرفة أننا نتحمل المسؤولية الكاملة عن هذا القدر الكبير من الشر يثقل كاهلنا، لذلك "نفضل أن نجد الشر مقيما في أفراد المجرمين أو في جماعاتهم، بينما نقوم بغسل أيدينا تنصلا من الميل العام إلى الشر وتجاهلا له". وهنا تظهر ميزة عظيمة تقوم بها الأديان السماوية إذ تعمد إلى التسليم بمبدأ ميتافيزيقي للشر، حيث أنها تخفف عن ضمير الإنسان مسؤولية بالغة الثقل إذ تلقيها على عاتق الشيطان. 

إن حرية الإنسان في أفعاله (الطاعة والمعصية، الخير والشر، ... إلخ) تمثل أساس موضوع الأخلاق. والإنسان من الوجهة الأخلاقية - كما يقول جيمس هنري برستد - لا يزال طفلا يلعب في داخل حجرة مملوءة بلعب خطرة جدا لم يتعلم بعد كيفية استعمالها، وبذلك يُحدث باستمرار أضرارا جسيمة، لا لنفسه وكفى، بل لكل المبنى الذي يعيش فيه. 

وخلاصة القول:
1. إن وجود الشر لا يتعارض مع وجود إله خالق ورحيم وعلى كل شيء قدير، إنما الشر كان نتيجة لخلق عالم الوجود من قبل إله لامتناهٍ وخير محض. 
2. يكمن كلٌّ من الخير والشر في تكوين الإنسان، وأن ذلك بدون اختيار منه، ولذلك أُعطي الحرية لاختيار أفعاله. 
3. إن حرية الإنسان هي أساس الأخلاق. 
4. إن طبيعة الإنسان والتي يعتريها النقص والخطأ هي ما فتحت أبواب التوبة أمامه. 
5. إن معرفة أن الإنسان في وسعه أن يعمل الشر كما يعمل الخير يجب أن تكون الحافز للعمل على تربية الجنس البشري تربية أخلاقية تسعى للحد من الشر. 

وأخيرا، يقول محمد شحرور: لقد ربط التنزيل الحكيم بين وجود الخير والشر في هذا الوجود وبين ظاهرة الموت في قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة، وإلينا ترجعون). ولهذا فإن مثَل الطامع بإلغاء الشر كمثل الذي يطمع بإلغاء قانون الموت، وهذا محال؛ لأن ظاهرة الموت قانون من قوانين الوجود ولا يمكن القضاء عليها. 



****
* هرقليطس .. الفيلسوف صاحب الفكرة الجديدة
http://khaled-mohajer.blogspot.com/2016/11/blog-post_20.html

الأربعاء، 13 سبتمبر 2017

ما سرُّ عالميته؟

إن كل ما هو إنساني أو يختص بالإنتاج الإنساني يختلف بحسب اختلاف الإنسان الذي يختلف من مكان لآخر ومن زمان لآخر، وكذلك يختلف باختلاف اللغة والبنية الاجتماعية، والبيئة (من خلال موقعها وجغرافيتها)، وباختلاف تاريخه وموروثه. وكل تلك العوامل تعمل على تكوين ثقافته وآدابه وفنونه وعاداته وتقاليده. وهذه العوامل تؤثر وتساهم في تكوين شخصية الإنسان ليكون فردا متميزا عن غيره في تصوراته ومواقفه وخبراته وطريقة تفكيره وأنماط سلوكه. فما يميّز المجتمع الإنساني هو أن أفراده يختلفون فيما بينهم، وليس يُعرف مجتمع يتماثل أفراده إلا في المجتمعات الحيوانية، كالنمل مثلا.

والحديث هنا عن ما يبدعه الإنسان، وما يميز نتاجه من اختلاف تنوع وتعدد يعكس اختلاف الإنسان كفرد مستقل بذاته، وكعنصر فاعل في المجتمع الذي ينتمي إليه. فالدين* مثلا، يختلف من أمة لأخرى سواء كان هذا الاختلاف في المعتقدات كالإيمان باليوم الآخر، أو في جانب القيم الأخلاقية والذي يشمل المعاملات والمحرمات، أو في الجانب التشريعي أي الحدود، أو الجانب الشعائري الطقوسي كالصلاة مثلا. ولا أوضح من اختلاف الناس في دينهم الذي يتبعون، فتجد المسيحية في الغرب، والهندوسية والبوذية في الشرق وبينهما أتباع الرسالة المحمدية، وهنا وهناك توجد طوائف وأديان أخرى. 

والفن بمختلف أنواعه (الفن التشكيلي كالتصوير، والنحت، والعمارة، أو الصوتي كالموسيقى، أو الحركي كالرقص، .. الخ)، كل هذه الفنون هي نتاج الإنسان وهي ما يعبر عنه الإنسان بحسب خلفيته الثقافية الموروثة وواقعه المعيش. فتجد على سبيل المثال الفن الصيني، والفن العربي أو ما يسمى أرابيسك، والفن الفارسي، والموسيقى الشرقية والغربية (وإن لم يتفق على هذا التقسيم)، والرقص الشرقي والغربي، وهكذا. فالفن لا يعكس واقع التجربة الإنسانية فقط، بل يكون أداة لنقد الواقع المعيش، ووسيلة للتعبير عن رفضه أو قبوله.

وكذلك في الأدب سواء أكان شعرا أم نثرا كالرواية والقصة القصيرة والمسرح والتراجم والنقد، فهو كذلك يختلف تبعا لاختلاف الإنسان، والذي يستخدم أسلوبه الأدبي ليدلي برأيه الشخصي، ويجب أن يعكس هموم مجتمعه، معبرا عن ذلك بلسان لغته، ليمارس الأديب دورا فاعلا في الحياة الاجتماعية. وكذا تختلف الآداب العامة مثل آداب تقديم الطعام وطريقة اللباس، ونظام المسكن وحفلات الزواج والولادة ومراسم دفن الميت وغيرها من العادات والتقاليد.

أما العلم، والمقصود هنا العلوم الطبيعية، كالفيزياء مثلا، فلا يختلف باختلاف الإنسان**، وهذا ما قد يشير إلى أن ما تكشف عنه العلوم الطبيعية ليست إنسانية، أي أن مصدره ليس إنسانيا، بل هو قانون أو قوانين الطبيعة الذي لا تعبأ بالإنسان! ولا شك أن هذا يحرك السؤال القديم: مَن وضع قوانين الطبيعة؟

إن الإجابة على هذا السؤال عند المسلمين سهلة يسيرة، إذ يقولون: "الله خالق كل شيء"، ويقصدون أن الله هو الذي أوجد كل شيء، بمعنى التكوين (كن فيكون)، أما الخلق فيعني التصميم. إذن؛ وحدة قوانين الطبيعة تعني أنها ليست من لدن الإنسان، بل أوجدتها قوة خارجة عن الإنسان، لأن كل ما هو من ابتكار الإنسان يقتضي الاختلاف. ومما قد يدل على أنها خارجة عن الإنسان هي طبيعة العلوم الطبيعية، فما هي إلا كشفٌ عما هو موجود! وهذا ما يفعله العلماء، إنهم يكشفون القناع عن أسرار الطبيعة والوجود الإنساني. والوجود الإنساني يعني التحرر من قيود الضرورة المفروضة على الوجود ليظفر بحريته، وهذه الحرية شرط للإبداع الخلاق في الأدب والعلوم والفنون، وكذلك الدين. فإذا ما وجدت الحرية متنفسها في الخيال الإنساني، اللامحدود بطبعه، فإن العقل يبدع ويُغْني الحياة، فالحرية تسمح بالخروج عن المألوف، حيث يجد الإبداع طريقه. وهكذا، تكوّن الحرية فضاء المعرفة التي تحمي الإنسان من التقليد في الفن، وحشو الكلام في الأدب، والكهنوتية في الدين، وادعاء الحقيقة المطلقة في العلم. إن سبيل الحرية هي سبيل الإبداع الإنساني، كما أن حرية الإنسان لا يمكن أن تكون أوسع من معرفته!

لذلك يمكن القول إنه لا يمكن أن يكون هناك دين عالمي أو فن عالمي أو آداب عالمية، وحده العلم استطاع أن يكون عالميا. ولعل السر في عالميته يكمن في طبيعته التي تتوافق مع طبيعة الحياة، كيف؟ إن الحياة في جدة مستمرة، وكذا العلم ثائر على ماضيه، يصحح مساره ويتجاوز نفسه في تجديد مستمر.

* لفتة:
عندما ذكر التنزيل الحكيم بأن الدين عند الله هو الإسلام، وأن الإسلام يعني الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح .. لعل هذا يعني أن الدين بهذا المعنى الواسع، وبهذه الوحدة التي قررها التنزيل الحكيم، أقول لعله يعني أن مصدر الدين من خارج الإنسان، وليس للإنسان أن يتحكم أو يغير هذا الدين، كما أن هذا لا شأن له باختلاف الناس في مناسكهم وشعائرهم. فاختلاف الملل لا يعني اختلافا في الدين.

ولكن هذا أيضا لا يجعل الدين موضع اتفاق من العالم أجمع، لذا يبقى العلم وحده هو من استطاع أن يكون عالميا. أما ما يسمى بالثقافة العالمية، فإن كانت تعني ثقافة تحتوي على كل الثقافات مع الاحتفاظ بخصوصية كل ثقافة كما هي، فلا بأس بذلك، أما إن كانت تعني اندماج الثقافات في ثقافة واحدة، فإن هذا إيذان بقتل التنوع والاختلاف الإنساني، وذلك من خلال اختزال الثقافات الإنسانية المتعددة والمتنوعة والمختلفة في ثقافة مركزية واحدة. فالتنوع والاختلاف في مجالات الفن والأدب يعكس خصوصية ومحدودية التجربة الإنسانية، ودمجها في ثقافة واحدة سيؤدي إلى الافتقار بدلا من الاغتناء.

إذن؛ لنبارك التنوع والاختلاف والوفرة والتي ستقود إلى التكامل والتواصل وإلى إثراء الحياة الإنسانية ... وما أتعس المتماثلون .. كقطيع الأغنام!
------
** والقصد هنا أن المعرفة العلمية حين يُكشف عنها؛ لا تتغير بتغير الإنسان الذي كشف عنها. ومن يتتبع تاريخ العلم يجد أن المعرفة العلمية معرفة تراكمية، بمعنى أن النظرية العلمية الحديثة تحتوي على القديمة وتتجاوزها. 

الأربعاء، 2 أغسطس 2017

غذاء الشيطان

الشيطان؛ هذا الذي يعمل عمله في الإنسان، فيؤزّه أزّا لارتكاب الشرور!

كيف لنا أن نكشف عنه؟ وكيف لنا أن نتعرف على الوسائل التي يعتمد عليها لإلحاق الأذى بهذا الإنسان الضعيف؟ .. لأن معرفتنا لهذه الوسائل التي يتغذى بها الشيطان ليستمر في كيده للإنسان، ستمكننا من كشف القناع عن جانب من جوانبه الخفية، وبعدها قد نستطيع محاصرته والحد من نفوذه وتسلطه! ثم إن تلك المعرفة قد تعيننا على الوصول إلى مصلٍ يكسبنا مناعة ضد وساوسه اللعينة.

فعلامَ يتغذى الشيطان ؟!

لا شك أن هناك أسئلة كثيرة يمكن إثارتها إذا اعتبرنا الشيطان شيئا منفصلا عن الإنسان!
لكن !!
ماذا لو كان الشيطان رمزا للشر الإنساني ؟
أي أن الشيطان ليس إلا كناية عن الشر الإنساني!!
وبتعبير رياضي : الشيطان = الشر الإنساني

حينها يكون غذاء الشيطان هو غذاء الشر الإنساني، فما هو هذا الغذاء؟ وهل يكون غذاؤه من خارج الإنسان (وهنا يكون الإنسان ضحية عوامل خارجة عنه) أم أنه موجود في الإنسان ذاته (وهنا يكون متعلقا بحرية الإرادة لدى الإنسان)؟

إن ظاهرتي الخير والشر تكون في العمل الإنساني، ولذا توجب علينا أولا أن نعرف ما الذي يتحكم في سلوك الإنسان، أي ما يأتيه من تصرفات واستجابات ظاهرة للعيان بحيث يمكن رصدها. ولمعرفة سلوك الإنسان يلزمنا (ولو بشكل عام) معرفة الجهاز العصبي المتحكم في مختلف أنشطته، وخاصة الدماغ المتربع على عرش السلطة في الجهاز العصبي. 

إن بنية الدماغ البشري حسب نظرية العالم الأمريكي بول ماكلين*، الذي قسمه إلى ثلاثة مناطق: أولها الدماغ الزواحفي؛ والذي يتكون من الجزأين الخلفي والمتوسط من الدماغ، اللذين يحتويان على جذع الدماغ والمخيخ والعقد القاعدية. وهي التي تتحكم في الوظائف الأساسية والسلوكيات الضرورية للبقاء والتكاثر. ثم ثانيا الدماغ الثديي (الجهاز الحوفي) الذي يقع قرب مركز الدماغ، ويتكون من بنى تتحكم في سلوكيات ضرورية للكائنات الاجتماعية وكذلك بنى تتعلق بالعواطف. والمنطقة الثالثة هي القشرة الحديثة للدماغ (اللحاء الجديد) والتي تتحكم في السلوك الإدراكي الأعلى مثل قدرات التحليل والتفكير المنطقي.

والعلاقة بين هذه المناطق الثلاث من خلال وظائفها المتداخلة والمتشابكة: الغريزة (غريزة البقاء والتكاثر) والانفعالات (العواطف) والفكر؛ هي علاقة تكاملية تنافسية لدارات مختلفة من التغذية الرجعية بين مراكز التحكم لاتخاذ القرارات. فعلى سبيل المثال، التفكير المنطقي يأخذ عدة ثوان؛ فهذا يعني أن من المستحيل غالبا إجراء استجابة عقلانية لحالة طارئة، وغالبا ما تكون استجابة انفعالية. ولذا تعتبر الانفعالات (الغضب، الخوف، ..) استجابات فورية، وغالبا لا يتحكم وعينا بها. والعقلانية مثلا هي سيادة الفكر على العاطفة والغزيرة دون إلغائهما. ولا شك أن هناك عوامل أخرى مثل الرغبة والإرادة والعادة وغيرها

إن المتأمل في عصور التاريخ الإنساني يجد أن أكثرها ظلاما هي تلك العصور التي استعلت فيها العاطفة وسيطرت على التفكير العقلاني/ المنطقي وحرمت العقل القدرة التحليلية الناقدة. إن سيادة العاطفة على الفكر نتج عنه اختراع المعتقدات اليقينية التي لا يقبل أصحابها حتى مجرد التفكير في مساءلتها، وهذه الحالة تسمى "التعصب"، حيث استحوذ اليقين على عقل صاحبه ولم يترك فيه مكانا لبديل عنه.

فما التعصب ؟ وما أسبابه ؟ 

عصب: العين والصاد والباء أصل صحيح واحد يدل على ربط شيء بشيء. والعصب: الطي الشديد. ورجل معصوب الخلق كأنما لوي ليا. ومنه العصبة أي جماعة المرء. (معجم مقاييس اللغة)

التعصب (Prejudice) يعني التحيز والتحامل، ويعني الحكم المسبق غير المنطقي، الذي لا يستند إلى خبرة واقعية أو إلى دليل موضوعي. وقد يعرف التعصب بأنه اتجاه سلبي نحو جماعة محددة اجتماعيا. ولهذا الاتجاه مكون معرفي (الأفكار النمطية) ومكون وجداني انفعالي (مشاعر الكراهية)، وهذا المكون الانفعالي هو أكثر ما يميز التعصب.

وهنا نلاحظ أن الانفعالات، التي غالبا لا يتحكم بها الوعي، هي مكون رئيس للتعصب، بينما يغيب التفكير العقلاني الذي يتميز به الدماغ الإنساني عن ساحة التعصب الضيقة. وغالبا ما يولد التعصب مشاعر الكراهية نحو الجماعة المتعصب عليها، وقد يتعدى ذلك إلى سلوكيات عدائية مختلفة تظهر شدة التعصب، حيث افترض غوردون ألبورت خمس درجات للسلوك تتزايد في شدة تعبيرها سلوكيا عن التعصب: أسلوب كلامي أو تعبير لفظي مضاد، التجنب، التمييز من خلال حرمانهم بعض حقوقهم، والاعتداء عليهم العدوان الفعلي، والقتل.

والتعصب عادة ما ينشأ لأسباب دينية أو سياسية أو قومية عرقية، وتمتد أسبابه لتكون علمية أو ثقافية. وكان جون بوردن هالدن قد اعتبر التعصب الديني أحد أهم أربعة ابتكارات بشرية حدثت في الفترة ما بين عامي 3000 ق.م. و 1400م، بالإضافة إلى الاستخدام العام للحديد والطرق المعبدة والتصويت. وليس هناك أوضح من التعصب الديني الذي لطخ واقعنا بأنهار الدم (خاصة ما يحصل بين السنة والشيعة)، والذي غالبا ما يصاحبه تصنيف الجماعات إلى كافرة ومؤمنة. ولعله بات أكثر وضوحا أنه حيثما حلّ التطرف الديني؛ حلّ التعصب. وقد يجرّ التطرف في التفاخر بالأصل والقومية إلى التعصب القومي، سواء كان بين العرب والفرس، أو بين العرب والترك، هذا إذا لم يظن العرب أنهم أشرف المخلوقات على الإطلاق. وليس معنى هذا أن الغرب الأبيض أو الشرق الأصفر أو الشمال الأشقر أو الجنوب الأسمر براء. وقد يكون التعصب في المجتمع الواحد، حين يتوجه من الأغلبية إلى الأقلية، ما يسمى اضطهاد الأقلية. ولا أتردد في القول بأن الاستياء أو الضيق من التنوع والاختلاف بين أفراد المجتمع هو إحدى علامات التعصب. حيث أن التعصب ضد جماعة ما، غالبا ما يكون نتاج الجهل بها، وعدم محاولة التعرف عليها، كما أنه يعكس انغلاقا عن الآخر.

إن التعصب ظاهرة فردية وجماعية، أي أن هناك عوامل نفسية (الإحباط، الإسقاط، الشخصية التسلطية، ..)، وأخرى اجتماعية (التنشئة الاجتماعية) تعمل على تحديد وتشكيل التعصب. [ولهذا كان التعصب أحد مباحث علم النفس الاجتماعي**]

والآن؛ كيف يفكر المتعصبين ؟!

إن ما يغلب على التحكم في قرارات المتعصبين وسلوكهم هو انفعالاتهم مع غياب التفكير العقلاني، وهذا ما يجعل قراراتهم المنبثقة من تفكيرهم الضعيف أكثر فسادا وأعظم خطرا. حيث أن المتعصبين لا يشكّون في صحة عقيدتهم (عقيدة مطلقة)، فهي مسلمة لا تقبل التساؤل، وهي عندهم أصحّ من القول بأن حاصل الجمع بين 1 و 1 هو 2، وذلك لاعتقادهم أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة. ومطلقية اعتقاداتهم تعزز توظيفها الانفعالي، وتمنحهم الوهم بالقدرة الكلية، و "يترافق الشعور بالقدرة الكلية (الطّفْلية) مع حماس نرجسي وتمجيد لفكرة الانتماء إلى هذه الجماعة ممن اصطفاهم الأزل أو التاريخ".

وفي تاريخ نشأة الحركات الدينية، يجري تعبئة الأفراد وربطهم بمثل أو أفكار تنتمي إلى ثقافتهم، ولأن هذه المثل أو الأفكار مطلقة، فهي "تستحق أن يضحي المرء بنفسه لأجلها، وأن يضحي بالآخرين في سبيلها". وفي المتعصبين "تمرد على شيء ما غير مشبع، وموجود وبحث عن شيء ما كامل، يسعون لإحلاله محل ما ينقصهم".

"‏إن المتعصب، المبهور بمثال انسلابي يقضم حريته، يعيش تجربة يجري إنكار مأسويتها .. وهي غالبا ما تخفي عذابا وخوفا من الشعور بالعجز، الشعور بالنقص، فهي التعويض عن الجرح الذي يصيب صورة الذات، وعن الانحراجية المستديمة". ويفرق بولتروير بين المتعصب الأصلي والمتعصب المنقاد. فالأول بيده الأمر/ السلطان الذي يسمح له بأن يعطي لجماعته الإذن بالتغلب على النواهي المفروضة من الأنا الأعلى. (هل عرفتم معنى أمير الجماعة وقائد التنظيم؟!)

ونرجع الآن لنسأل مرة أخرى: ما غذاء الشيطان ؟

لقد رأينا كيف أن الأحكام المسبقة هي أقفال على عقول أصحابها، تمنعهم من قبول الآخرين ورؤية ما لديهم من فضائل ومشتركات، ولهذا التعصب أعمى؛ لأنه يعصب على عقل صاحبه، فيعطّل قوى إدراكه، ويفقده بصيرته، فلا يعود المتعصب قادرا على التمييز، فيضلّ سواء السبيل.

يقول الفيلسوف الأمريكي المعاصر رالف بارتن بري: "إن الحالة المعروفة بالتعصب إنما هي أفظع القوى الإنسانية المدمرة للذات وأقواها شرا. إنها شريرة لأنها تمحو أو تهدم جميع حوافز الرأفة وتزيل ضوابط الفكر النير وهدايته وتجرد الإنسان من نزعته الإنسانية الخيرة وتفسد الحياة وتحقرها في صميمها. إنها أفظع من القنبلة الذرية أو القنبلة الهيدروجينية لأنها تزود بالعاطفة الدافعة التي تسير هذه الآلات".

هكذا يكون التعصب غذاء للشرور الإنسانية، وهكذا يكون التعصب غذاء الشيطان!

وليس من الهين علاج التعصب! فالتعصب كسلوك أو كاتجاه يتطلب تغييرا على مستويات مختلفة، منها: مستوى التنشئة الاجتماعي والعلاقات بين الجماعات، ومستوى التأثير الاجتماعي الذي يتأثر به الأفراد، ومستوى قابلية الأفراد للتعصب.

بل إن البعض يقرر أنه ليس هناك من علاج للتعصب! ذلك أن التعصب ينبثق من تغليب العاطفة على التفكير المنطقي، ولذا هناك إمكانية حقيقية لأن يثور كلما ضعف التحكم فيه وفي الظروف التي تساعده على الظهور.

لقد فطر العقل على كل من الفكر والعاطفة والغريزة، فالفكر المنطقي يحتاج إلى دفء العاطفة، والعاطفة تحتاج إلى نور الفكر. والعقل إنما هو عملية الربط بين المدركات الواردة إليه عن طريق التفكر المنطقي (القشرة أمام الجبهية) والعاطفة (الجهاز الحوفي) ومختلف أجزاء الدماغ، واستخلاص النتائج منها، ثم اتخاذ القرارات المناسبة. 

إن الشيء الذي يمكن أن ينجزه الفرد في سبيل الحد من التعصب على المستوى الشخصي هو اعتماده على التثقيف الذاتي، حيث المعرفة تزيد في المرونة العقلية التي تستطيع كبح جماح الانفعالات الحادة "وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا"، كما أنها (أي المعرفة) توسع من إدراكه لذاته وللعالم الذي يعيش فيه، وتجعله يقول: إما كذا .. وإما كذا.

وختاما هذه الأبيات التي كتبها رابندرنات طاغور:
حيث العقل لا يخاف ، والرأس مرفوع عالٍ
وحيث المعرفة حرة
وحيث العالم لم يُمزق جدرانه التعصب
وحيث تخرج الكلمات من أعماق الحقيقة
وحيث الكفاح المستمر يمد ذراعيه نحو الكمال
وحيث لا يفقد جدول العقل مجراه في صحراء التقاليد الميتة
وحيث يقود العقل نحو ساعات أفسح من الفكر والعمل
تحت سماء الحرية تلك، يا إلهي، أيقظ وطني
----
الهوامش
* أظهرت دراسات بعض التعديلات على هذا النموذج.
** لعله من المهم معرفة كيف تؤدي هذه العوامل إلى التعصب وكيف يمكن عن طريق فهمها كبح التعصب.
----
المراجع
1. مستقبل العقل، الاجتهاد العلمي لفهم العقل وتطويره وتقويته ،ميشيو كاكو، ت. سعد الدين خرفان، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، الطبعة الأولى، 2017
2. سيكولوجية التعصب، هاينال وآخرون، ت. خليل أحمد خليل، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 1990
3. إنسانية الإنسان بارتون رالف بري، ت. سلمى الخضراء الجيوسي، المعارف، بيروت، الطبعة الأولى، 1961

الجمعة، 12 مايو 2017

صدمة الشك

عندما يتعلم الشاب شيئا قليلا، فإنه قد يظن بسذاجة الطفل الغرّ أنه تعلم كل شيء! في هذه المرحلة قد يحدث لديه شك يجعله يتخذ قرارات تعارض ما يعتقده وربما أدى ذلك إلى إنكاره لما كان يعتقده!

لكن هذا الشاب ما إنْ يتبحر في العلم حتى يدرك أنه لا يعلم إلا شيئا يسيرا جدا، بل إنه سيدرك أنه لم يخض بحر العلم بعد. ثم إن هذا الشاب وبعد أن اتسعت مداركه من خلال القراءة والبحث، فإنه غالبا ما يبدأ في مراجعة نفسه، في مراجعة مسلماته واختياراته، يبحث في كل اتجاه عما يؤكد به خياراته وقراراته أو يدحضها، يطرح على نفسه الأسئلة تلو الأخرى رافضا الإجابات الجاهزة المعلبة. إنه يبني وعيه وفهمه معترفا بنسبية ما يتوصل إليه واحتمالية وقوعه في الخطأ، لذا يكون الشك في نتائجه هو ما يجعله يتقدم باستمرار. إن هذا الشاب عندما يؤمن فإن إيمانه سيتخذ شكلا مختلفا، سيكون أكثر وثوقا وأكثر رسوخا!

أما بعد،

فلعل من أصعب المراحل التي يقابلها الكثير من الشباب والشابات وهم في ساحة الحياة هي تلك المرحلة التي تتمثل في تعارض الدين مع العلم. في هذه المرحلة قد يصطدم هذا الشاب (أو تلك الشابة) بأسئلة لم يتعود على طرحها، بل لم يسبق له أن صادف مثلها لأسباب كثيرة، منها ما تكون الأسرة سببا فيه، ومنها ما يتحمله نظام التعليم البائس.

فالأسرة تعمل على كبت اندفاع الأطفال الفطري والتلقائي إلى طرح الأسئلة، إما بالتهرب من الإجابة وإما بنهرهم عن طرح الأسئلة التي تتعلق بالوجود والميتافيزيقيا (سواء لجهل آبائهم أو لغياب أبسط أساسيات التربية الحديثة عن الوالدين)، وهذه التربية لا تنتج إلا أطفالا مكبوتي الشخصية، يعانون من هشاشة في الروح وتآكل في الأفهام. وأما نظام التعليم فإنه يساهم في انغلاق عقول الشباب بتقييدهم بمناهج مقررة سلفا وفرض اتباعها على التلاميذ والمعلمين، والتي لا تكون مخرجاتها إلا شبابا مقيدا، لا ينعمون إلا بظلام كهوف التعليم الرطبة والمعتمة، ولا أدل على ذلك من طريقة تقييمهم في آخر الأمر، حيث تتم بطريقة هي أشبه ما تكون بترويض الحيوانات لتكون أليفة مطيعة يسهل التحكم بها واستغلالها في خدمة أصحابها دون أن يتجاوز ما تتطلع إليه العلف الذي تأكله آخر اليوم!

ونرجع إلى ذاك الشاب الذي أصبح في دوامة الشك وحاله كحال ذاك الشخص الذي يشعر بدوار بينما هو جالس وسط أناس يتحدثون ويضحكون ولا يعلمون عنه شيئا، فهو (أي الشاب) لا يعرف كيف يمكنه أن يوفق بين ما يقوله الدين وبين ما توصل إليه العلم. وقد يخيل إليه أنه أمام خيارين لا ثالث لهما: العلم أو الدين؟

لقد حُرم هذا الشاب من حقه في الشك منذ البداية، حيث كان يجب أن يتعلم كيف يكون الشك المعرفي طريقا لاكتساب معرفة راسخة، ومَن لا يملك الحق في الشك فإنه لا يملك حرية التفكير ولا يعرف قيمة التفكير العقلاني.

ولو أن هذا الشاب سأل نفسه أسئلة كان من الواجب أن يتدرب عليها خلال سنوات التعليم العام، حيث كان من المفترض أن تُنمّى لديه طريقة التفكير والبحث ومساءلة المعلومة مهما كان مصدرها ثم مناقشتها مع أقرانه أو معلمه أو والديه (ولكن!!)

ومن تلك الأسئلة على سبيل المثال:
- ما العلم؟ ما طبيعة النتائج التي توصل إليها؟ هل نتائج العلم حقائق مطلقة؟
- ما الدين؟ هل يكون الدين إلهي أم بشري؟ وهل يجوز أن يكون الدين بشريا؟ ثم إن جاز ذلك، فهل يجوز أن يكون هذا الدين البشري لكل الناس في كل الأمكنة وكل الأزمنة؟

إنه عندما يبدأ المرء بتفحص ما توصل إليه العلم (العلوم الطبيعية على سبيل المثال)، فإنه ومن خلال قراءته لتاريخ العلم يجد أن ما يقرره العلم هو طيف من الاحتمالات، ولا يمكن أن يقرر العلم حقائق مطلقة.

ولنضرب بأمثلة من علم الفيزياء، العلم الأكثر دقة بعد الرياضيات لنتعرف على طبيعة النتائج التي توصل إليه العلماء على مر العصور، والتي لم تكن سوى نظريات يتم نقضها بواسطة العلماء اللاحقين بعد أن يعدلوا فيها أو يكتشفوا نظريات أكثر تفسيرا للواقع، مع إدراك أن الحقائق العلمية ذاتها هي حقائق مرنة وقابلة للتكذيب.

إننا إذا استعرضنا الأفكار الثورية في تاريخ علم الفيزياء فستكون هناك الأفكار القديمة ثم عصر النهضة فالعصر الحديث وصولا إلى عصرنا اليوم.

لقد أعتقد الناس قديما ولمدة طويلة بأن الأرض لا تتحرك وأنها مركز الكون الثابت، ويوصف هذا التصور للكون بـ"الكون البطلمي" نسبة إلى بطليموس صاحب كتاب المجسطي، وهو نفس تصور الكون لدى اليونانيين والرومان. واستمر هذا التصور حتى القرن السادس عشر الميلادي عندما جاء نيقولاس كوبرنيك وقال بأن الشمس لا الأرض هي الساكنة (1)، وبذلك ظهر تصور مركزية الشمس. بعد ذلك جاء جاليليو جاليلي الذي طور التلسكوب (المقراب) وبواسطته أكد صحة نظام كوبرنيك وخطأ النظام البطلمي. وأما معاصره الألماني يوهانس كبلر الذي ورث جداول صديقه الدنماركي تيخو براهه ومركزه في براغ، فقد كان مقتنعا بما توصل إليه كوبرنيك. إن أكثر ما اشتهر به كبلر هو اكتشافه لقوانينه الثلاثة عن حركة الكواكب حول الشمس. وهؤلاء جميعا كانوا قد مهدوا الطريق للقرن السابع عشر ليكون انطلاقة علم الفيزياء الحديثة بزعامة السير نيوتن. لقد اكتشف نيوتن قانون الجاذبية (الثقالة)، وكذلك النظرية الجسيمية للضوء، وقوانين الحركة الثلاثة، وقال كذلك بالمكان المطلق والزمان المطلق، ويعزى إلى نيوتن وليبنتز اكتشاف حساب التفاضل والتكامل.

وضع كريستيان هويغنر (1629 - 1695) نظرية موجية للضوء، التي حلت محل نظرية نيوتن الجسيمية، لأنها كانت تفسر جميع الظواهر والخواص الضوئية المعروفة وقتها، والتي لم تستطع نظرية نيوتن تفسيرها (ديبروي 1924 يؤكد أن للضوء طبيعة مزدوجة جسيمية-موجية). وظهرت بعد ذلك نظرية ماكسويل الكهرطيسية وقانونا الترموديناميك الأول والثاني، وكانت قد أثارت بعض التساؤلات عن مدى صحة قانون نيوتن الثاني.

ولم ينتهي القرن التاسع عشر حتى بات فريق من الفيزيائيين يعتقد بأن الفيزياء بلغت أو كادت نهاية الشوط، لأنهم رأوا في الفيزياء النيوتنية ونظرية ماكسويل الكهرطيسية في الضوء اكتمال الفيزياء النظرية. لكن الثورة الفيزيائية التي حصلت في النصف الأول من القرن العشرين لا تقل أهمية إن لم تكن تفوقت على الثورة النيوتنية. قدم الألماني ماكس بلانك نظرية الكم في عام 1900م، وقد أحدثت النظرية الكمومية ثورة في الفيزياء الحديثة أو ما يسمى ميكانيكا الكم، وأضاف هايزنبرغ مبدأ الارتياب أو اللايقين، كل ذلك أدى إلى إبطال مبدأ الحتمية عند نيوتن. وفي عام 1905م أنجز أينشتاين نظريته النسبية الخاصة، حيث وحد بين المكان والزمان في كيان فيزيائي واحد هو الزمكان، وبذلك حطم فكرتي نيوتن المنفصلتين، المكان المطلق والزمان المطلق. وفي نظريته النسبية العامة استبدل انحناء الزمكان المتعدد الجوانب بقوة الجاذبية عند نيوتن، وقد ساهمت أيضا في نظرية نشوء الكون. لقد وجدت نظرية الكم والنظرية النسبية العالمين: عالم الجسيمات المجهري (نظرية الكم) و عالم النجوم والمجرات العياني (النظرية النسبية). 

لقد بات واضحا مما ذكر سابقا (وإن كان يعيبه الاختصار) من تاريخ علم الفيزياء أن العلم لا يمكن أن يقرر حقيقة مطلقة، بل هي نظريات وقوانين قابلة للتغيير والابدال عندما تظهر قوانين أخرى تفسر الواقع بطريقة أكثر بساطة وشمولية، وما زال علماء الفيزياء سائرين في الطريق الذي يتمنون أن ينتهي بهم عند نظرية كل شيء!

من جهة ثانية، قد يقول قائل مستنكرا: إن رجال السياسة يستخدمون رجال الدين، والذين بدورهم يكيفون الدين ليناسب ما يمليه عليهم رجال السلطة.

ونقول له: صدقت، وماذا عن مشروع مانهاتن؟ وكيف أن أمريكا استخدمت مجموعة من علماء الفيزياء في مشروع تصنيع القنبلة النووية، هذه القنبلة التي راح ضحيتها مئات الآلاف من الأبرياء، وكان من ضمن أولئك الفيزيائيين أوبنهايمر وروبرت ويلسون وريتشارد فاينمان وغيرهم.

ومن جهة ثالثة، فقد برزت في منتصف القرن العشرين أسئلة كبيرة ومفصلية عن جدوى العلم خاصة بعد الهجوم النووي على هيروشيما وناجازاكي، ومن تلك الأسئلة: 
- ما دور العلم في حياة الإنسانية؟
- هل العلم في ذاته خير أم شر؟
- هل العلم نفسه مجرد أداة تستعمل للنفع أو الضرر؟
- هل العالم من حيث أنه عالم مفيد للإنسانية؟ ثم هل يجب ضبطه؟ فإن كان كذلك، فكيف يمكن ذلك؟

من الواضح أن العامل الأساسي في إحداث الشرور التي نتجت عن طريق رجال الدين أو رجال العلم هو نفس العامل، إنه الكائن البشري.

إن الإنسان هو المتسبب الأول في معاناة الإنسان سواء أكان ذلك بمنعه الخير أو بارتكابه الشر، وسواء أكان ذلك بطرق مباشرة أو بطرق ملتوية؟! طرق تُخفى تحت مسمى هيئة دولية أو من وراء عناوين فضفاضة كحفظ الأمن الدولي أو بالوقوف أمام الكاميرات لتأكيد القضاء على الإرهاب.

خاتمة
- إن الإنسان السائر هو نبي الله إبراهيم، وإن إبراهيم هو إمام الناس، ولكي تصل إلى اليقين عليك بفأس إبراهيم.

******

الثلاثاء، 14 مارس 2017

الشعب الجاركوني

أكتب لك يا صديقي عباس عن الشعب الجاركوني، هذا الشعب الذي تمتد جذوره لأكثر من أربعة عشر قرنا ومع ذلك ما زال أفراده مشغولين بالمظاهر الخارجية والتفاهات والقشور التي تأنف الرياح من كنْسها.

إن الشعب الجاركوني شعبٌ يتغنى بالماضي كثيرا مع أنه لم يصنع فيه شيئا، وإنما كان صنيعة أناس قد رحلوا معه. ومن المفارقة أن الجاركونيين ومع ماضويتهم إلا أنهم يستهلكون المنتجات العصرية والتي لو رآها أسلافهم لماتوا مثلما مات أصحاب الكهف بعد أن وجدوا أنفسهم في زمن غير زمنهم.

وأمر ثانٍ يذكرنا بالقرون الماضية، قرون الاضطهاد الديني، وهو أن الجاركونيين يسارعون ليس إلى تكفير الآخر المختلف عنهم فقط، بل حتى أولئك الأفراد الذين ينتقدون شخصياتهم التاريخية، لأنهم يقدسون الماضي بشخصياته وأحداثه حتى وإن زعموا غير ذلك.

ربما تسألني يا صديقي عباس: ولماذا يقدسون الماضي؟

إنك إذ تطوف بنظرك الجهات الأربع فلا تجد إلا أمما وشعوبا قد بلغت من التقدم والنجاح مبلغا عظيما، ولما لم يستطع الجاركونيون أن يبلغوا ما بلغه غيرهم من تقدمٍ في شتى ميادين العلوم وتطورٍ في مختلف مجالات التصنيع، وتميزهم في تقرير الحريات وعدالة القوانين التي تنسف أي تمييز بين أفراد المجتمع، فإنهم (أي الجاركونيين) إرتأوا التقليل مما حققه الآخرون، لقد أصبح الواقع أكثر ألما للجاركونيين وأصبح التخلف والتبعية للآخر محبطا لهم، فلم يجدوا إلا تراثهم الماضي المنمّق ليركنوا إليه حين كان لأسلافهم عزة ومكانة، وإن كانت أوضح ما يكون في الملك. ويا للصدمة يا عباس عندما تعلم أنهم لم يقرؤوا تراثهم قراءة نقدية تمكنهم من التمييز بين الحقائق المعرفية والوقائع التاريخية.

أما إذا نظرنا إلى المستفيد من إبقاء الشعب الجاركوني متمسكا بالماضي عازفا عن العيش في الحاضر وغير مبالٍ بالمستقبل، فإننا سنجد نظاما متناسقا من السيطرة. وهذا النظام يوجه رغبات هذا الشعب وحاجاته نحو ما يتناسب مع استمرار السلطة عليه. لقد خلق هذا النظام مجتمعا سكونيا يعيق كل محاولة للتغيير، ويساهم كأداة للسيطرة على أفراده، فالمجتمع يجبرهم على التطابق، ويمنعهم من الاختلاف الذي يؤدي بصاحبه إلى العزلة حتى يغطيه الرماد. ومما هو معلوم أن عقيدة المجتمع تسد الطريق أمام أي تغيير.

إنك تعلم يا صديقي ما تعانيه الحضارة الصناعية اليوم من تفكك اجتماعي فظيع ومعاناة اقتصادية مريرة، ولكن كما أخبرتك من قبل بأن الجاركونيين لا يهتمون إلا بالمظاهر.

وسأحدثك عن أكثر ما شد انتباهي عندما عاشرت هذا الشعب. إن الجاركونيين لا ينتجون شيئا! إنهم آلات استهلاكية حتى إنك لتظن أنهم لن يعيشوا حياة أخرى. إنهم يستهلكون أشياء لا حاجة لهم إليها، والأمرّ من ذلك أنهم يستدينون لشراء كماليات وأشياء رمزية ليتفاخروا بها أمام الآخرين. إنهم لا يتباهون إلا بما يشترون وبئس ما يفعلون. ولا غرابة أن يكون شعارهم: أنا استهلك إذن أنا موجود. إن الشعب الجاركوني يستورد كل شيء تقريبا؛ الطعام واللباس، ووسائل الاتصال والمواصلات، وكذلك العقول التي تفكر عنه وتضع له الخطط المستقبلية. وإنني أستطيع أن أقول: إن الجاركونيين فقراء ولكن لا يعلمون. وهم يحبون المال أكثر من حبهم لأنفسهم، ذلك أن أحدهم إذا خسر ماله، فإنه يظل في حسرة وندامة مدة متطاولة من الزمن تكفي لأن يخسر الإنسان صحته وربما أصبح عاجزا وهو ما زال في سن الشباب، هذا إذا لم يخسر نفسه!

ولعل أكثر ما يبهرك في ثقافة هذا الشعب هي تعاليم الدين الذي يتبعه، ولكن المحزن في الأمر أن الجاركونيين لا يتبعون هذه التعاليم! إنهم فقط يرددونها كما تفعل الببغاوات. فمثلا؛ ينهى دينهم عن التبذير، ولكن الجاركونيين يتميزون بموائد الطعام الكبيرة ومظاهر الترف المقززة. وكذلك ينهى دينهم عن الكذب، ولكن الكذب منتشر فيهم. ولك أن تتخيل مدى الكارثة الاجتماعية التي يسببها الكذب، وإن كانوا يسمونه بأسماء مختلفة! والغريب أنهم يتباهون أحيانا بهذه الرذيلة، فهل تعرف شعبا في مثل هذا المستوى من الأخلاق؟

ما أكثر الفضائل التي يتحدثون عنها، ولكن الواقع يعلنها صراحة أنها لا توجد إلا في أحاديثهم وص. وهذا التناقض الذي يبدو واضحا بين أقوالهم وأفعالهم هو أحد نتائج تناقض المسلمات التي تطوف في عقولهم بكل سلاسة، وذلك لغياب التفكير النقدي، فتفكيرهم تقوده الرغبة والأحكام المسبقة، وهذا ما جعلهم ضيقي التفكير، متقوقعين على أنفسهم وقد غفلوا عن بحر الإنسانية الواسع العميق.

إن روح التعصب تسكن أدمغة الجاركونيين، ذلك لأنهم يؤمنون بسموهم على سائر الناس، وبسمو دينهم على كل الأديان، بل ومذهبهم على بقية المذاهب. وهذه الروح المعتلة تنشط كلما طغت العاطفة على العقل، وما السواد الذي يلطخ التاريخ الإنساني إلا نتاج سيادة العاطفة في ظل غياب العقل. إن التعصب شر أول ما يدمر نزعة الإنسان إلى الخير ثم سرعان ما يفتك بعقل صاحبه فيصيبه الاضطراب وفقدان البصيرة وقصر النظر، فلا يكون إلا خيبة على صاحبه. 

وإذا سألتني عن سر شقاء هذا الشعب الفارغ والمصاب بالتخمة في نفس الوقت! فإنه يجب عليك أولا أن تعرف ما إذا كان هذا الشعب يشعر بأنه في شقاء أم لا، وهنا يكمن أحد أسباب شقاوته!

إن الشعب الجاركوني يرى أنه من أكثر سكان الأرض سعادة، بل إن بعض أفراده يعتقدون أنهم وصلوا إلى أعلى مراتب السعادة لذا تجدهم دائما يبتهلون إلى الله أن لا يغير عليهم، متناسين أو بالأصح جاهلين بأن التغيير هو الصفة الثابتة في هذا العالم. ثم إن هذا الشعب يفتقر إلى تذوق الفنون؛ وهذا بسبب آراء بشرية منعت عنه الفنون، فلا يوجد من أفراده رسامون أو نحاتون أو مهندسو عمارة، ولا تكاد تسمع بالمسرح والموسيقى. إنه لم يكن للفن مجد إلا في أفواههم، وأقصد الشعر، وهو أقرب من الصنعة منه إلى الفن. فهم كثيرو الكلام ولكنهم لا يقولون شيئا. وهم مع كثرة كلامهم لا يفعلون شيئا. إنهم عديمو الإرادة، وكيف لا؟ وكل فرد منهم يشعر بأنه عاجز عن إبداع شخصيته المتفردة، وهذا الشعور بالعجز والفتور هو ما يفقد الإنسان لذة الحياة ومعناها. ويبدو أن اعتمادهم على توّهم مفاده أن الله سينصرهم (وكأنهم في حرب) وأنهم سيكونون في مقدمة الشعوب وأعلاها مكانة، سببٌ في كبح إرادتهم ومخدرٌ شل حركتهم نحو تحقيق حياة كريمة لهم. وفيهم يصدق ما قاله جون بانيل بيوري: طالما أن البشر لديهم شعور بالاعتماد على عناية إلهية، فهم لن يستطيعوا بناء نظرية في التقدم.

لعلني أكثرت عليك من عجائب وغرائب هذا الشعب الوديع الذي يفضل الأمن على الحرية، مع أني لم أخبرك عن وضع المرأة الجاركونية المأساوي، لكن إذا كان هذا حال الذكور في مجتمع ذكوري، فكيف سيكون حال النساء؟!

وسأذكر لك شيئا عن الطبقة الحاكمة. إنك لن تستطيع أن تميز بين الشعب الجاركوني وبين حكامه. وأول ما تلاحظ هو أن أخلاق الشعب ما هي إلا نتيجة لما عليه الطبقة الحاكمة، ثم إنك ستدرك غياب التفكير، فضلا عن السعي، في إحراز أمجاد تسطر أسماءهم في صفحات سجل التاريخ الإنساني البيضاء، وإن كانوا يسطرون أسماءهم في صفحاته السوداء، كسجل الحروب مثلا. إن كل ما تتطلع إليه الطبقة الحاكمة هو الاستمرار في الحكم بغض النظر عن الوسيلة التي تتخذها في تحقيق هذه الغاية، فالسلطة كما تعلم تجسيدٌ لشهوات الإنسان البهيمية.

إنني لا أعرف كيف نستطيع مساعدة الشعب الجاركوني للنهوض من هذا السبات العميق الطويل! إنك إذ تنظر إليهم فإنك لا  ترى إلا وحدة واحدة متطابقة، كقطيع تعيس من الحيوانات الأليفة. لكن الانفتاح على الآخر ووسائل التواصل الاجتماعي تنبئ بالتغيير، وهنا يجب أن نعي أن الإنسان ذو قدرة محدودة على التكيّف مع التغييرات التي تحدث له، والتغيير في حد ذاته هو أحد أهم العوامل البيئية التي تؤثر على صحة الإنسان.

نعم، إن التغيير مطلوب وحتمي في نفس الوقت، ولكن عندما يفرض نفسه على الإنسان، وبطريقة تفوق قدراته الفسيولوجية على التكيّف، فإنه يكون عرضة للإصابة بما يسمى "صدمة المستقبل"، وفي هذا يقول عالم الاجتماع لورنس سوم: "نمرّ بفترة تشبه من حيث تأثيراتها الصدمية تطور أسلاف الإنسان من مخلوقات بحرية إلى مخلوقات برية .. فأولئك الذين سيستطيعون التكيف سوف يتطورون، أما أولئك الذين لن يستطيعوا فإما أن يبقوا عند مستوى أقل من التطور، وإما أن ينقرضوا ويدركهم الفناء". وليس من الصعب تخمين أي الطريقين يسير فيه الجاركونيون وأي نهاية تنتظرهم ! 

وأخيرا يا عزيزي عباس فإنني لا أتمنى لك زيارة هذا الشعب، لأنك ستفقد لطفك وحسن ظنك بالآخرين. وكما تعلم فإن الرذيلة تستدعي بقية الرذائل، وإنه مهما كان المرء فاضلا، إلا أنّ البيئة السيئة لا بد وأن تلوثه.

الثلاثاء، 16 جمادى الآخرة 1438 هـ